رحل صاحب الرؤية وبقي الأثر
في رحيل العلماء الكبار شيء يتجاوز معنى الفقد المألوف؛ فالأمر ليس غياب إنسان عن مجلسه، ولا انطفاء صوت اعتادت الأسماع صداه، بل هو انقطاع خيط من خيوط الذاكرة الحية التي تصل الحاضر بميراث العقل والتجربة. وحين بلغني نبأ رحيل صديقي وأستاذي البروفيسور عز الدين عمر موسى، صباح اليوم الأحد ٢١-٦-٢٠٢٦،، احسست أن صفحة مضيئة من صفحات زماننا قد طُويت، وأن قامة من القامات التي حملت همّ العلم والفكر لعقود طويلة قد آثرت الصمت الأخير بعد رحلة عامرة بالعطاء والبذل. رحل الجسد، لكن السؤال الذي يتركه أمثال هؤلاء لا يرحل: ماذا يبقى من الإنسان بعد أن يغادر؟ أهي السنوات التي عاشها، أم الأفكار التي بثها، أم القلوب التي مسها، أم الأجيال التي رباها؟ ولعل اخي الكبير الراحل أجاب عن هذا السؤال بسيرته قبل كلماته؛ فقد عاش مؤمنًا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بما جمع، وإنما بما ترك من أثر. ولا عجب فقد ولد البروفيسور عز الدين عمر موسى عام 1936م، ونشأ في زمن كانت فيه المعرفة تُلتمس من صدور الرجال قبل بطون الكتب، وكانت البركة في السند، والهيبة للعلم، والمكانة لأهله. بدأ رحلته مع العلم في سن مبكرة، فتنقل بين حلقات الفقهاء والعلماء في توتي وشمبات وأم درمان، وقبة الامام المهدي ونهل من معين علماء حي الهاشماب، وتأثر تأثرًا عميقًا بأساتذة المعهد العلمي الذين كان لهم أعظم الأثر في تكوين شخصيته العلمية والفكرية. وكانت أم درمان القديمة بكل احيائها يومئذ مدينة تتنفس العلم كما تتنفس الحياة؛ فما من حي من أحيائها إلا وكان فيه عالم أو فقيه أو أديب أو مربٍ أخذ عنه الراحل علمًا أو أدبًا أو خلقًا. وكأن المدينة كلها كانت مدرسة مفتوحة تُعدّه على مهل للرسالة التي سيحملها فيما بعد. ولعل هذا التنوع في المشارب العلمية من توتي إلى ام درمان هو الذي أورثه سعة الأفق وعمق النظر، وجعله يدرك مبكرًا أن المعرفة ليست تكديسًا للمعلومات، بل بناء للإنسان وتهذيب للرؤية. ولذلك ظل طوال حياته وفيًا لفكرة السند العلمي، مدركًا أن الإنسان لا يصنع نفسه وحده، وإنما يتشكل من أثر الذين سبقوه وأضاءوا له الطريق. واليوم، وقد لحق بمن تعلم منهم، تبدو السلسلة كلها وكأنها قافلة نور تمتد عبر الأجيال؛ يغيب أفرادها واحدًا بعد آخر، بينما يبقى أثرهم حيًا في العقول والضمائر. لقد تخصص الراحل في التاريخ الإسلامي، وكرّس جهده لفهم حركة الحضارة الإسلامية ومساراتها، حتى نال درجة الدكتوراه عن أطروحته المتميزة حول النشاط الإسلامي في الغرب الأفريقي الإسلامي خلال القرن السادس الهجري من الجامعة الأمريكية في بيروت، التي عمل بها معيدًا في بدايات مسيرته العلمية. ومنذ ذلك الحين لم يكن العلم بالنسبة إليه وظيفة أو لقبًا أكاديميًا، بل رسالة ومسؤولية وأمانة.
ولذلك في عام 1972م انتقل إلى نيجيريا، حيث عمل محاضرًا بجامعة أحمدو بيلو، وظل فيها أكثر من عقد من الزمان، أسهم خلاله في إعداد أجيال من الباحثين والطلاب. ثم انتقل عام 1983م إلى جامعة الملك سعود بالرياض، لتبدأ مرحلة جديدة من العطاء العلمي والفكري. وبعد ذلك كُلّف بتأسيس كلية الدراسات الاستراتيجية بجامعة الأمير نايف العربية للعلوم الأمنية، فكان من رواد هذا الحقل العلمي ومن المؤسسين لصرح أكاديمي ما زال يؤدي رسالته حتى اليوم.
غير أن أثره لم يكن محصورًا داخل أسوار الجامعات. فقد كان حاضرًا في الشأن الثقافي والاجتماعي والوطني، فترأس الجالية السودانية بالرياض، ورأس الملتقى الثقافي الرياضي السوداني، وكان أحد أبرز وجوه الدبلوماسية الشعبية. ظل مجلسه مفتوحًا للناس، يجمع بين العلم والأدب والأنس، ويجسد ذلك النموذج النادر للعالم الذي لم تحجبه الكتب عن الناس، ولم تعزله المناصب عن المجتمع.
كما شارك في المنتديات العلمية والثقافية داخل المملكة العربية السعودية وخارجها، وأسهم في مجالس الدروس الحسنية بمحاضرات رصينة، كان آخرها حول استراتيجيات الأمن الغذائي، وكأنه ظل يحمل هموم الأمة ومستقبلها حتى آخر أيامه.
وقد تشرفنا بالعمل معه والتعلم على يديه، وكان بالنسبة إلينا أكثر من أستاذ جامعي؛ كان مربيًا وناصحًا وصاحب تجربة ثرية ورؤية نافذة. وقد جمعته صحبة علمية مباركة مع الدكتور فضل الله علي فضل الله والدكتور آدم أبو الرجال، فشكلوا معًا نموذجًا مضيئًا لجيل نذر حياته لخدمة العلم ونشر المعرفة. واليوم وقد رحلوا جميعًا إلى رحمة الله، لا يسعنا إلا أن نتأمل ذلك الجمال الذي تركوه خلفهم، وأن ندرك أن الأمم لا تُبنى بالمباني وحدها، وإنما بالرجال الذين يصنعون المعنى ويغرسون القيم.
ولعل آخر مشاركة جمعتني به كانت عبر منصة “سوانح وطنية” في حلقة بعنوان: “غياب الاستراتيجية وأثره في مشاكل المنظمات والدول”. يومها لم يكن يتحدث عن الأعراض بقدر ما كان يغوص إلى الجذور. كان يرى أن المشكلة الكبرى ليست في الأخطاء الظاهرة، بل في غياب الرؤية التي تهدي العمل وتمنحه غايته وتقود البشرية. وكان يؤكد أن أزمة السودان في جوهرها هي أزمة رؤية قبل أن تكون أزمة موارد أو مؤسسات، وأن غياب الرؤية يجعل السعي أشبه بسعي حاطب الليل؛ يتحرك كثيرًا لكنه لا يدري إلى أين يمضي، ويجمع أشياء كثيرة دون أن يعرف ما الذي ينبغي أن يحتفظ به وما الذي ينبغي أن يتركه. وكان يرى أن معظم الأزمات ليست سوى أعراض لذلك المرض الأكبر.
واليوم، بعد رحيله، أجدني أستعيد تلك الكلمات أكثر من أي وقت مضى. وأتساءل: هل تغيب الأصوات حقًا حين يغيب أصحابها؟ أم أنها تظل عالقة في نسيج هذا الكون بطريقة لا ندركها؟ يقول الفيزيائيون إن المادة والطاقة لا تفنيان، وإنما تتحولان من صورة إلى أخرى. ولعل كلمات الذين أحببناهم ليست استثناء من هذا القانون الكوني؛ فربما لا تزال آخر محادثاتي معه موجودة في مكان ما من هذا الكون، شاهدة على لحظة إنسانية لن تتكرر، وعلى عقل ظل يفكر حتى آخر العمر، وعلى روح لم تتوقف عن العطاء رغم المرض والوهن.
وخلال سنوات الحرب الحالية، وبعد انتقاله إلى الولايات المتحدة الأمريكية للعلاج، ظل محافظًا على تواصله مع إخوانه وتلاميذه ومحبيه. كان يطمئن على الآخرين أكثر مما يتحدث عن أوجاعه، ويغالب المرض ليشارك في ندوة أو يقدم محاضرة أو يكتب مقالًا ينتفع الناس به وبخبرته وعلمه. وكأنه كان مؤمنًا بأن رسالة العالم لا تنتهي ما دام في القلب نبض، وما دام في العمر بقية.
وقد ترك الراحل أكثر من عشرين مؤلفًا مطبوعًا، فضلًا عن عشرات الدراسات والأوراق العلمية التي أصبحت مراجع مهمة للباحثين والدارسين. كما أسس مركز العز بن عبد السلام بشمبات، ذلك المركز العلمي الوقفي الذي أراده منارة للمعرفة ومجالًا لخدمة المجتمع، ليبقى شاهدًا على إيمانه بأن العلم رسالة ممتدة تتجاوز حدود العمر القصير للإنسان. واليوم، ونحن نودع هذا العالم الجليل، نشعر بأن الساحة العلمية والثقافية فقدت واحدًا من أنبل رجالها وأكثرهم تواضعًا وإخلاصًا. غير أن عزاءنا أن الموت لا ينتصر على الجميع؛ فهناك رجال يهزمونه بما يتركونه خلفهم من نور. والبروفيسور عز الدين عمر موسى واحد من هؤلاء؛ فما زال حاضرًا في كتبه، وفي تلاميذه، وفي المؤسسات التي اقامها ، وفي الأفكار التي غرسها في العقول.
رحم الله أستاذ الاجيال البروفيسور عز الدين عمر موسى، فقد غاب عن أعيننا، لكنه بقي في الذاكرة شاهدًا على زمن كان للعلم فيه وقاره، وللفكر رسالته، وللرجال الكبار أثر لا يزول. رحل الجسد وبقي الأثر، وغاب الصوت وبقي الصدى، ومضى الرجل إلى جوار ربه، لكن سيرته ستظل تمشي بين الناس ما بقي طالب علم ينهل من كتبه، أو تلميذ يذكر فضله، أو فكرة من أفكاره تضيء طريقًا في زمن العتمة.
نسأل الله تعالى أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يجعل علمه النافع وعطاءه المتصل في ميزان حسناته، وأن يسكنه الفردوس الأعلى مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وحسن أولئك رفيقًا.(إنا لله وإنا إليه راجعون.)


