التمساح سكن الشايقية

التمساح سكن الشايقية
  • 19 يوليو 2026
  • لا توجد تعليقات

عثمان أبوزيد

دعانا السفير الأمريكي في الخرطوم لمقر سكنه، ولما دخلت عليه قادني إلى صالة جانبية وأشار على لوحة في الحائط تحمل رسما لتمساح يرقد في جزيرة على النيل. قال السفير: أنا أعرف أنك من شمال السودان، وأحببت أن أذكرك بمنظر من بيئتكم.
والحقيقة أن مشهد التمساح أعاد لي صورا شتى وذكريات من الماضي البعيد…

أذكر سباحتنا في النهر مع علمنا بوجود التماسيح فيه.

وأذكر صائد التماسيح الماهر زبير خواض حين يأتي حاملا بندقيته، ويطلق النار على تمساح واحد يكتفي به،  له الجلد ولنا اللحم!

وهناك حادثة شخصية لا أنساها، وهي أنني ربطت الحمار قريبا من النهر حتى أتخفف من أخذه لشرب الماء كل مرة. وتربص به التمساح، فوقعت بينهما معركة ضارية تركت حمارنا المسكين مثخنا بالجراح.

وفي ظني أن حادث التماسيح وخطفها ضحايا في الأيام الفائتة، من الحوادث التي كانت تتكرر في الماضي حتى اعتادها الناس. وقد يكون انتباه الناس لها بسبب التواصل الاجتماعي، وإظهارها كأنها حوادث نادرة.

ومعلوم أن تراثنا السوداني زاخر بالقصص والمرويات عن التماسيح. من ذلك ما قرأته لزميلنا المرحوم عوض عبد الرحيم أبو حليقة في كتاب باللغة الإنجليزية حين حكى قصة طفل خطفه التمساح من وسطهم وهم يسبحون في النيل. وحكى قصة يتداولها سكان قريتهم (كلمسيد) عن تمساح متحجر موجود بشاطئ النيل، وسبب تحول التمساح لحجر فيما ينقله الرواة أنه لخطفه أحد أطفال القرية، وأن الناس ذهبوا لفقيه القرية (الفكي) الذي أمر التمساح بإعادة الطفل، وقد أقبل التمساح في الحال إلى الشاطئ ولفظ الطفل من جوفه فخرج حيا، أما التمساح نفسه فقد سخطه الفكي وقلبه حجرا.

ولجوء الناس إلى الصالحين والأولياء تقليد قديم، يلوذون بهم من بأس التماسيح. وقصيدة (التمساح سكن الشايقية) للمادح حاج الماحي مشهورة جدا، فقد ظهر في زمانه تمساح منع الناس من الاقتراب للنهر. وعندئذ وقف المادح أمام النهر وأنشد قصيدته التي ناشد فيها أولياء الله أن يتصدوا لهذه المصيبة التي ألمت بهم. ومطلعها:

  يارحمان ارحم بي جودك
دلّ الغيث ينزل فى بلودك
سَم يا فم اذكر معبودك
  قول يا واحداً حي في وجودك
يا مُسعد أَسعِد بسعُودك
ونحنُ نصلي على مريودك

والبداية صحيحة بتوحيد الله والصلاة على الرسول صلى الله عليه وسلم، غير أن التجاءه لغير الله تعالى مما يراه بعض أهل العلم مجانبا لصحيح العقيدة.
ها هو يناجي الصالحين بادئا بالخلفاء ومثنيا بالقوم يستغيث بهم واحدا بعد الآخر:

يا الخُلفا الحالكم مرضية
يا أهل البيعة العقدوا النية
التمساح سكن الشايقية
خلوا يروح نسياً منسيا 

وينتقل حاج الماحي من الخلفاء الأربعة وأهل بيعة الرضوان مباشرةً لشيخ شيخه ابن إدريس فيخاطبه قائلاً:

يا ابن ادريس عدِّل نيشانك
فوق الكُل، عامر ديوانك
هِم يا شيخ الناس حيرانك
فى التمساح بيّن برهانك
يابن ادريس شيخنا النورانى
يا صاحب الفتح الربانى 

ولئن استجار حاج الماحي بأشياخه، فإن آخرين اتخذوا الخبرة البشرية ذريعة لدرء ضرر التماسيح، فاستعانوا بالصيادين، وقد اشتهر منهم ابنعوف وهو من بلدة (سوري) جنوب دنقلا:
“تمساح رأس بروس… القلبو خاتي الخوف..
الغلب ابنعوف
وحجر الجروف”
وهذا مقطع شهير من تراث الشعر الشعبي السوداني تحديداً في مناطق الولاية الشمالية، وهو يتغنى بشجاعة “صائدي التماسيح” الذين يواجهون هذه الزواحف في بيئتها الطبيعية عند الجروف النيلية.

أعاذنا الله وإياكم من تماسيح البر والبحر… ولعمري إن تماسيح البر في هذا الزمن الأغبر أشد فتكا من تماسيح البحر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*