تجربة الموسيقار محمد الأمين، دولياً ريشة وضمير وكمان
لعل أميز أعمال أبي اللمين في مجالي الاداء الصوتي والموسيقا بالذات هي المقدمات الموسيقية الطويلة والتي أجده متأثراً بالمقدمات الموسيقية للفنان الموسيقار الكبير المصري محمد عبد الوهاب وكوكب الشرق القديرة أم كلثوم، يتجلى ذلك في أغانيه : سوف يأتي، بتتعلم من الأيام، زاد الشجون ، وغيرها.
أنا لا أغالي إن ذكرت أنَّ محمد وردي ومحمد الأمين كلاهما تأثراً بالنمط الموسيقي المصري من حيث المقدمات الموسيقية الطويلة التي برعا فيها ومثال الأول : الود ، الحزن القديم، قلت أرحل وغيرها، ورُبَّما نتاج التأثير والتأثر بالجانب المصري هو الروح الغالبة على عنصر الثنائية بين البلدين في أغلب المجالات الحياتية المعاصرة وبالذات الفنية إلَّا أنَّ مصر اتجهت نحو الدراما وبينما اتجه السودان نحو الغناء، وتكمن أهمية هذه الموازنة لطبيعة اختلاف الشعبين من حيث الشخصية الاعتبارية لكليهما ، لكن أعود لود اللمين فهو في ميزته تلك نافح عمالقة الأداء الموسيقي في العالمين العربي والغربي فبرع زيادة على ما سبق في تغيير نمطية الأغنية السودانية من باب العاطفة والوطن والمحبوبة ، بتغيير اساليب الشعراء الذين تعامل معهم بطبيعة الحال .
شارك أبو اللمين عالمياً في أكثر المحافل الدولية الغنائية عربياً ومحلياً واقليمياً وغربياً بتوثيق لكل المشاركات الفنية له في الاذاعات والتلفزة العالمية كالتلفزيون السويسري مثلاً ، واشير هنا لشيوع الاختيار للقصيدة العربية التي تعتبر الوحيدة التي أداها وهي قصيدة ” الضفائر الطائشة ” للشاعر الكبير نزار قباني سنة ١٩٦٢ تقريباً اوائلها، جاء فيها :
تقولين الهوى شيءٌ جميلٌ الم تقرأ قديماً شعر قيسِ
أجئت الآن تصطنعين حبا أحس به المساءُ ولو تحسي
أطائشة الضفائر غادريني فما أنا عبد سيدة وكأس
لقد أخطأت حين ظننت أني أبيع رجولتي وأذل نفسي
فأكبر من جمالك كبريائي وأعنف من لظى شفتيك بأسي
خذي علب العطور والف ثوب تعيش بمخدعي أشباح بؤس
وصورتك المعلقه احمليها فمن خلف الاطار يطل امسي
لقد طرزت دربك ياسميناً فدست براعمي وقطعت غرسي
حملت لك النجوم على يميني وصغت لك الصباح وشاح عرس
أتافهة الوصال إليَّ ردي عويل زوابعي وجحيم حسي
لقد شوهتي أيامي وعمري فجفت ريشتي وانبح همسي
اعيديني إلى أصلي جميلاً فمهما كنت أجمل منك نفسي
ولم تسجل رسمياً في أجهزة الإعلام السودانية لتعنُّت لجان اجازة النصوص، لكن أذكر له أغنية ” ناعم العود ” تغنى بها في حفل الدوحة ١٩٨٢ وهي اغنية خليجية تراثية للشاعر إبراهيم تفي وألحان عنبر بن طرار ، نالت الاستحسان والقبول من الجمهور العربي ولم تزل إحدى أيقونات المشاركات الفنية الابرز له .
هذا ! تعددت وتنوعت القصائد التي غنَّاها مع مختلف الشعراء العرب والسودانيين لكن هنا يمتاز الكابلي عنه بالسعة والتنوع في الاختيار والاداء بينما يقبع أبو اللمين في الشعراء السودانيين عادة وهذا ليس بمعيب ولا ينقص من تجربته الفنية الغنائية لأكثر من ستين سنة ١٩٦٠ _ ٢٠٢٣ ، وأذكر استماعي له شفاهياً بنادي الضباط في الخرطوم سنة ٢٠٠٥ مدى تجاوب وانفعال الجمهور معه بدرجة خرافية وإن كان يردد أغان بعينها مثل : أسمر، الشباك ، قالوا متألم شوية، التي يثور فيها الجمهور اثارة عجيبة ، الموعد ، التي يختتم بها الحفل عادة ، إلى جانب افتتاحياته الطويلة : سوف يأتي ، وقصب الوادي المخدر فرو ، لكنه يعتمد على ذوق وطلب الجمهور بطبيعة الحال.
أجد صعوبة بالغة في المقارنة بينه وبين وردي في التلحين وتطويع الكلمة والأسلوب وفكرة وضع النوتة الموسيقية لمقدمة الأغنية ، فلكل بصمته الخاصة ورونقه البديع، ويمكن القول بأنَّ أبا اللمين لا يبالي بطول القصيدة إذا اراد التغني بها مثل ” زاد الشجون ” التي كتب كلماتها الشاعر مبارك بشير، وتتعلم من الأيام، التي كتب كلماتها إسحق الحلنقي ، بينما يعتني بتقصيرها وردي ، مثل : الود والحزن القديم ، للدوش .
إنَّ تجربة الموسيقار محمد الأمين الفنية لا يمكن اختزالها في هذه الكلمة المقتضبة جداً ، لكن أشير هنا إلى نوعية الأغاني الوطنية التي بدأ بها حياته الفنية وأهمها ” الملحمة ” لكاتبها الراحل المقيم النحرير هاشم صديق سنة ١٩٦٦ ، وغنَّاها أمام الزعيمين إسماعيل الأزهري والمحجوب ، بمشاركة الفنانين خليل إسماعيل وعثمان مصطفى وأم بلينة السنوسي ، بينما طغا صوته عليهم وارتبطت الاغنية به ارتباطاً وثيقاً ومباشراً ، وتعد من الأغاني الوطنية الثورية السياسية التي تحرك غضب الشارع العام إذا أراد تغيير النظام بجانب اغنيات وردي الوطنية الأخرى .
للموسيقار محمد الأمين ، حوالي خمسين أغنية فقط ( 50 اغنية فقط ) ، لشعراء مختلفين ، مثل : محمد على جبارة: لقاء وعهد، أنا وحبيبي، الشباك.
فضل الله محمد، وقد شكل معه ثنائياً رائعاً فغنى له : الجريدة، أربعه سنين، الحب والظروف، الموعد، زاد الشجون، طريق الماضي.
هاشم صديق، وكذلك غنى له عدة اغنيات وهي : قصة ثورة (الملحمة)، حروف اسمِك، همس الشوق، كلام للحلوة.
د. عمر محمود خالد: حلم الأماسي، خمسة سنين.
إلى جانب شعراء آخرين .
رغم طول تجربته الفنية الغنائية لأكثر من ستين سنة بلا انقطاع إلَّا أنه لم يزد عليها ولعله اهتم بالجوانب الفنية الغنائية مثل التوزيع الموسيقي والتلحين الذي يأخذ منه زمناً طويلاً كأغنية ” زاد الشجون ” التي أخذت في البروفات حوالي أربع سنوات حتى عرضها على المسرح القومي بأم درمان سنة ١٩٨٢ تقريباً، وتعتبر كلاسيكية عاطفية من الطراز الأول، إذ تعددت لونية الموسيقا فيها لكل كوبليه منفرداً ولحن يوافق مفردات الاغنية، ( كنت تتعلم تجامل لو فؤادك مرة جرب انه ما يدق دقة واحدة ) وهذا المقطع الأخير أحد تقوية العلاقة العاطفية بيني وزوجتي أولها سنة ١٩٩٥ لأننا كنا نستمع إليها في كافتيريا الجامعة باستمرار فكأنما نجرب دقات قلبينا على مسامعها امتثالا لنقرشة العود على صفيح ساخن اسمه الحب ( ريشة وضمير وكمان ) :
كنت بحتاج ليك بشدة وانت عني بعيد
مافي عيشة بلاك بتبقى
مافي نشوة مافي ريد
أبو اللمين، يجسد للمتلقي ومستمع أغانيه الإحساس الفطري لموضوع القصيدة المُغَنَّاه، ( يا تغنوا انتو يا اغني أنا ) فلا تملك فكاكاً منها إلَّا وانت ترددها معه بكل تقسيماتها الأوركسترالية بذات الهرمونية الأدائية لمادة الفكرة للقصيدة ، ثم ينقلك إلى مساحات استماع نفسي داخلي بتطريب عال على آلة العود ليصل إليك المعنى الحقيقي من مرادي الكاتب والمؤدي بلا واسطة عبر طبقات صوته الجهوري المميز سواء في الكلام العادي أو الغنائي الممتع.
القاهرة في: ٤ أغسطس ٢٠٢٦


