قصة قصيرة

التيتل

  • 12 مايو 2017
  • تعليقان

منصور الصويم

ثلاث ليالٍ متتالية وذات الحلم يتكرر. يستيقظ الملازم أول سيد أحمد مفزوعا ومغموما منقبض القلب. اليوم استجمع شجاعته العسكرية وحكى لرفيقه، الجندي الدومة فضيل، تفاصيل الحلم:
“يبدأ دائما بقرع عنيف للطبول، وأصوات أقدام تركض مسرعة وحناجر تطلق صرخات انتصار مدوية. بعدها، يحل صمت عميق، ثم تتنزل ببطء ستارة من الغمام تظل تتكاثف وتتكاثف إلى أن تتحول إلى غبار أحمر يغطي كل المساحة. يحل الصمت مرة أخرى، ثم بغتة أراني مترنحا وسط مئات من الفتيات فائقات الجمال. بعضهن يغنين أهزوجات أقرب إلى الترانيم وأخريات يطلقن الزغاريد الطويلة المتقطعة، في حين تبدو طائفة منهن وكأنهن محاربات محترفات؛ ممشوقات الجسد، لديهن عضلات بينة، تظهر في التواءات أفخاذهن وسواعد أياديهن وتلافيف بطونهن العارية. هؤلاء يحطن بي كالطوق. حرابهن مشرعة وأقواسهن مشدودة ووجوهن ملونة بالأصباغ الحمراء والصفراء والخضراء، يبدون مستعدات للحرب الآن. أراني بينهن، عاريا تماما، على رأسي تاج من أغصان الموز، وحول عنقي عقد طويل من الخرز الملون اللامع. ينجلي الغبار فجأة ويظهر في العلن تيتل بحجم حمار! يبدو ساكنا ورأسه إلى الأرض بينما قرناه ترتفعان حتى تلامسا السماء، تمسك بكل قرن فتاة من الفتيات الجميلات المحاربات. وهنا يا صديقي، تتلطخ المشاهد بغتة بلون طحلبي طافح، فيتحول كل شيء الأخضر اللزج السائل في ليونة، وأثناء ذلك تحملني الفتيات المحاربات عنوة ويجلسنني على ظهر التيتل المنتصب في سكون، وبحبال غليظة يربطن جسدي بجسد التيتل ذي القرنين السماويين قبل أن تلكزه إحداهن برمحها فينطلق مثل الشهاب وأنا من فوقه أتحول إلى مجرد صورة باهتة ومتكسرة لشيء يمضي صوب الظلام”.
وجم الجندي الدومة بعد سماعه قصة الحلم، لم يدر ما الذي عليه قوله، صمت لهنيهات، ثم دعا الله أن يصرف عن قائده أوجاع الحلم – الكابوس هذه الليلة.
في هذه الليلة، بدأ الحلم من لحظة انتهائه في الليالي السابقة. التيتل بقرنيه السماويين يبعثر الغيوم والسحب ويخدش جدار القمر، يهرول بأقصى سرعة مخترقا الغابات والوديان والجبال، جسد الملازم أول سيد أحمد أعلاه يتمزق ويتقطع ويتطاير أشلاء في كل الأمكنة، إلى أن تبقت عيناه فقط حائمتين في الفراغ تودعان أمزاقة المتفرقة.
استيقظ الملازم أول سيدأحمد مفزوعا، حلقه جاف وصدره مختنق. تناول كوب ماء وخرج من الخيمة العسكرية عله يستنشق هواء نقيا. توغل قليلا في الحيز الصحراوي المكلفين بحراسته. استرجع أثناء تسكعه العبثي في الرمال، وجوه الفتيات في الحلم؛ جمالهن فوق الطبيعي وأرواحهن التي تبدو أـبدية. يرى بعين الذاكرة الحلمية الآن أجسادهن وكأنها تطفو فوق الأرض في حالة أشبه بالطيران، هل كن من الجنيات أم تراهن من الحور العين؟ والتيتل ذو القرنين اللذين يعانقان تخوم السماء، أيكون شيطانا ملعونا أم هو ملاك رحيم؟ حين وصل بتفكيره إلى هذه النقطة انطلق فجأة من قلب الظلام صاروخ أرض أرض أرسلته كتائب العدو المتربصة، لمح احتراق الضوء اللحظي، قبل أن يخترقه الصاروخ مباشرة ويبعثر أعضاء جسده في فضاء المكان.
_________________
*أسطور سلطان الداجو:
تقول الأسطورة أن سلطان مملكة الداجو في دارفور، السلطان عمر كسفروك، قرر تكملة جبال الداجو الـ 99 إلى 100 جبل. وكان هذا السلطان طاغية حقيقي في تنفيذ رغباته على حساب شعبه. فأمر أفراد مملكته بنقل جبل أم كردوس من شرق مدينة نيالا وضمه إلى سلسة الجبال الـ 99، فظل أفراد مملكته يحفرون حول الجبل ويموتون من الارهاق أو السقوط في الحفر وهو لا يبالي. استمرت عملية محاولة نقل الجبل لثلاث سنوات تقريبا عانى خلالها الرجال والنساء والأطفال الويلات فى كسر ونقل الحجارة ومات عدد كبير منهم جراء سقوط الحجارة ولدغات العقارب والثعابين التي أثارها تحريك الحجارة ومهاجمة أوكارها.
فطنت زوجة السلطان لهذا الأمر وحتى لا يفنى شعبها بسبب رغبات السلطان عمر كسفروك قررت التخلص منه، فأتت بحكامة واتفقت معها على ترديد شعر محدد وأقامت له احتفالاً كبيراً وتغنت له الحكامة بقصيدة طويلة بلغة الداجو جاء فيها:
سلطان كسفروك سلطان داجو سلطان ود سلاطين
سلطان كسفروك دا ملك الملوك وقائد الشجعان
ما أبيركب بعير ما أبيركب فرس زي الناس الهوان
سلطان كسفروك أبيركب فرنديت التيتل ملك الغزالان
وبعد أن ملأت السلطان الحماسة طلبت منه زوجته أن يركب التيتل أمام الجمع لأن الحكامة ذكرت أنه لا يركب فرس أو بعير زي الناس الهوان.. فأمر السلطان عمر كسفروك خدمه إحضار التيتل. أحضروه له وأسرجوه بسرج السلطان الملكي وركب السلطان الظالم فوقه ولكن التيتل لم يثبت فى مكانه وتملص لأنه حيوان بري لم يعتد ركوب البشر فوق ظهره وكاد أن يلقي بالسلطان فخشى أن يفضحه أمام رعاياه فأشارت زوجته بربط السلطان بحبال عليه.. وأطلقوا سراح التيتل فقفز مهرولاً والسلطان فوق ظهره فصدم به الأشجار والجبال حتى قطعه إرباً إرباً وتبعه الناس فرحين بالخلاص، وقيل في كل مكان يسقط جزء من جسده أقام الناس وعمروا قرية. وهكذا أراحت زوجة السلطان شعبه منه ومن طغيانه.

ردان على “التيتل”

  1. يقول Edmon Khalil:

    سلطنة الداجو لم تكن أسطورة، و السلطان كسفرو ما كان أسطورة بل حقيقة. ثم ان السلطنة لم تكن اسلامية كما هو الحال في سلطنة الفور . لذلك الاسم الذي ورد عن السلطان المقصود في قصة التيتل لا يمكن ان يحتوي اسم عمر؛ لأن السلطنة تلاشت قبل دخول الإسلام . هذا يعطي الحقيقة ان سلطنة الداجو كانت مسيحية لاننا نبحث في مرجعيات تاريخية تعود إلى ما قبل دولة المغرة. و ان المرأة التي طلبت منه أن يركب التيتل كانت جدته التي تربى علي يديها وليست زوجته.
    لقد كتب البروفيسور أحمد الطيب زين العابدين الذي عمل عميداً ثم رئيساً لقسم الدراسات الانسانية بكلية الفنون بجامعة السودان عن قصة كسفرو. وكما نعلم أنه أحد مؤسسئ مشروع السودانوية وله بحوث مضادة للمشروع الحضاري الاسلامي الذي جاءت به الجبهة الاسلامية .
    مع خالص احترامي

  2. يقول د. حماد رمضان الشوالي التونسي:

    هذه الأسطورة قديمة حدثت قبل التاريخ وهي من أروع الأساطير السياسية في أفريقيا تحكي عن حكام لهم دور عريق في إدخال نظام الحكم والدولة في مجاهل القارة الأفريقية من شرق السودان مرورا بكردفان، دارفور، تشاد، بحر الغزال، بحيرة ونهر شاري، بحيرة فتري، كما يدعي الجوكون الأصل الداجاوي وأن جدهم كان قد ركب التيتل. كما يضيف شعب اليوروبا أنهم ينحدرون من دارفور في عهد مملكة الداجو.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*