غربا باتجاه الشرق

سابقون وصادقون

  • 14 مايو 2017
  • لا توجد تعليقات

مصطفى عبد العزيز البطل

(1)
اطلعت يوم أمس على صورة فوتوغرافية للأمين العام لحزب المؤتمر الشعبي الدكتور على الحاج وهو في زيارة لمنزل القيادي الشعبوي الأستاذ كمال عمر (الشعبوي هنا مقصود بها النسبة للشعبي، فقط لا غير، إذ لا يمكن بطبيعة الحال ان يخطر على بالنا المعنى الآخر في المفهوم المصطلحي للشعبوية، والتي تشير الى ايديولوجية او صنف من الخطاب السياسي يعتمد على نهج الديماغوجية ودغدغة العواطف والحجاج الجماهيري.  حاشاه كمال من الشعبوية، يكفي انه تلميذ الشيخ الفقيه والعالم المفكر حسن الترابي).
الصورة الفوتوغرافية التي دفع بها الاستاذ كمال عمر شخصيا الى سوح الاعلام الالكتروني المراد منها في الغالب إحكام اغلاق صفحة حركة التمرد المحدود التي ابتدرها كمال في لحظة غضب جامح، ثم تراجع عنها في لحظة إدراك رزين لحقائق الأشياء. والصلح خير. والعفو والصفح والصبر من مرضاة الله.
(2)
بيد أن ردة فعل بعض اعضاء المؤتمر الشعبي على التمرد المحدود واحتجاجهم بأن كمال ليس من البدريين، فلا يعدو كونه واحدا من الطلقاء من (مسلمة الفتح) يستحق وقفة تأمل. وكنت قد سمعت في حوار تلفازي من قبل مع الصديق الاستاذ المحبوب عبد السلام أنه عاصر كمال في جامعة القاهرة بالخرطوم، ولكن لم تكن للأخير أية صلة بالحركة الاسلامية وتنظيمها ومجاهداتها لا من قريب ولا من بعيد.
والحقيقة بالطبع، وكما يعرفها كثيرون، هي ان كمال عمر ظهر في الحياة العامة للمرة الاولى في العام 1994 كعضو في اللجان الشعبية ضمن كوتة الـ60% التي أقرتها الحركة الاسلامية للمستقطبين (المؤلفة قلوبهم)، بحسب خطة الشيخ الترابي آنذاك بأن تفتح كل المؤسسات بنسبة ٤٠٪‏ للاخوان و٦٠٪‏ للمستقطبين).
وربما كان هذا الصنف من المنازعات هو الذي حفز بعض الاسلاميين للتعدين في مناجم التراث والاتيان بعبارة (العبرة بمن صدق لا من سبق)، التي تعادل مصطلح (حرق المراحل) عند أحبابنا الشيوعيين.
(3)
والذين عبروا الى المواقع المتقدمة على صهوة حصان (الصدق)، من غير سبق، وحرقوا المراحل كثر. وهذا النوع من الممارسة في واقع الحياة السياسية السودانية له نماذج لافتة للنظر.
في حقبة الديمقراطية الثالثة قام مولانا محمد عثمان الميرغني باختيار أحد الأفاضل ممثلا للحزب الاتحادي الديمقراطي لتولى منصب والي ولاية الخرطوم (وقتها: معتمد العاصمة القومية). ولم يكن ذلك الشخص الذي يمثل الحزب الكبير عضواً فيه، بل ولم تكن له صلة بالعمل السياسي أساسا.

ومن الطرائف ان قادة ذلك الحزب أرادوا تكريمه عند توليه المنصب فدعوه الى حفل شاي في دار الحزب الاتحادي الديمقراطي. غير أن الرجل لم يكن يعرف مكان الدار، ولكنه قاد سيارته بناء على وصف جغرافي، ثم وجد نفسه وهو في الطريق الى مكان الحفل أمام مبنى يحمل لافتة (الحزب الوطني الاتحادي)، وهو حزب هامشي صغير كان قد أسسه عقب الانتفاضة الاستاذ على محمود حسنين.
وهنا أوقف حبيبنا الوالي سيارته ودخل على ظنٍ منه انها دار الحزب الاتحادي الديمقراطي الذي اصبح يمثله في السلطة. وهناك وجد بعض الحضور فصافحهم، ورحبوا به، وجالسهم وآنسهم وآنسوه، وهو يعتقد انهم من قادة حزبه الاتحادي، وتناول معهم كوبا من الشاي، ثم عاد أدراجه!
وبالطبع فإن حالة حبيبنا كمال عمر في مضمار (الصدق والسبق)، مهما قيل عنها، أفضل كثيرا من حالة هذا (القيادي) الاتحادي الصادق بغير سبق!
(4)
وما ذُكر الصدق والسبق في الاحزاب السياسية السودانية إلا وذكر الدكتور بشير عمر وزير المالية عن حزب الأمة في حكومات الديمقراطية الثالثة. إذ أتى به الامام الصادق المهدي رئيس الوزراء من حيث لم يحتسب أحد، ففاجأ به مخضرمي حزب الأمة، إذ وضعه في موقع وزير المالية والاقتصاد الوطني، مقدما إياه على جميع قيادات الحزب ذات المعارف الوافرة والتاريخ الجهادي الباهر.
وقد قضى عدد كبير من السياسيين الذين (سبقوا) في ذلك الحزب فترة الديمقراطية الثالثة بأسرها وهم يمارسون النميمة في حق ذلك الشاب الجذاب الذي كان وقتها في ثلاثينيات عمره، فقد استكثروا عليه المنصب الرفيع الذي ناله بلا خبرة ولا تاريخ جهادي ولا تجربة سياسية.

وقد ذكر لي بعضهم انهم سلخوا حياتهم  بجامعة الخرطوم في مجاهدات وابتلاءات في مواجهة النظام المايوي، وذاقوا مرارات السجون والمعتقلات وويلاتها، بل ان بعضهم قتل في ملحمة يونيو 1976، بينما كان بشير حينها (يقتل) الحفلات غناءاً وطرباً ورقصا. لا هو في العير ولا في النفير!
وعند اعلان السيد الصادق المهدي، في أتون إحدى الازمات السياسية، رغبته في التخلي عن منصب رئيس الوزراء نشرت صحيفة (الأضواء)، التي كان يرأس تحريرها الصحافي الكبير الراحل محمد الحسن احمد، مانشيت عريض على صدر صفحتها الاولى جاء فيه: (بشير عمر رئيساً للوزراء). وهنا كاد كثيرون من أعمدة ذلك الحزب العريق ان يصابوا بالسكتة القلبية، ولكن الله ستر، وتداعت الأمور الى عودة الأمام الى رئاسة الوزارة. ثم جاء الانقلاب الانقاذوي فكان راحة للكثيرين من كل بشير!
(5)
وقد حفزتني قضية الصدق والسبق هذه الى النظر العميق المتأمل في الحكومة الجديدة التي أعلنها رئيس الوزراء الخال بكري حسن صالح، فوجدت ان صفتي السبق والصدق  قد انطبقتا معاً، بحمد الله، على أغلبية الوزراء. بيد ان هناك وزير دولة واحد علمت انه من مواليد العام 1982، فلم تترك له حداثة السن مجالا للسبق. ولكن البركة في الصدق!

mustafabatal@msn.com

 

التعليقات مغلقة.