تأميم الودائع

  • 26 أغسطس 2018
  • لا توجد تعليقات

د. حسن بشير محمد نور

قام بنك السودان المركزي بإصدار قرار يأمر بموجبه المؤسسات والهيئات الحكومية بفتح حسابات للودائع بالعملة المحلية والنقد الاجنبي بالبنك المركزي.

وقد قام بذلك بسحب معظم مصادر السيولة من البنوك التجارية، وتحويل البنك المركزي الي بنك تجاري.

هذا الإجراء هو تأميم مستتر للجهاز المصرفي، ومدمر للمصارف التجارية التي تعتمد بشكل أساسي على إيداع المؤسسات والهيئات الحكومية في ظل هروب الإيداع الخاص من المصارف التجارية؛ بسبب إجراءات البنك المركزي نفسه.

بذلك يمعن بنك السودان المصرفي في تأزيم الوضع المأزوم أصلاً، ويثبت أن الأزمة قد فلتت عن عقالها، ولم يبق إلا السير من إجراء سيء إلى أسوأ.

معلوم أن عمل المصارف التجارية يعتمد علي وجود عدد كبير من العملاء الذين يقومون بالإيداع والسحب؛ منشطين الدورة الاقتصادية، وخالقين عرضاً حياً للنقود معبراً عن حجم التمويل والائتمان المصرفي، وهذا العامل سيتضرر بشكل كبير بسبب هذا القرار المأزوم.

ثانيا تعتمد المصارف علي الثقة التي انعدمت تماماً، وهذا أمر لا يمكن التدليس عليه، فهو أوضح من الشمس في رابعة النهار، إذ ذهب الناس الي بيوتهم، وسافروا الي أهلهم بجيوب فارغة إلا من مبالغ مجنبة خارج البنوك أو مبلغ (مصرور) في طرف ثوب، وهذا بالطبع سينعكس في مزيد من الركود في الاسواق بما فيها سوق خراف الأضاحي .

 

ثالثاً: تعتمد المصارف علي التنبؤ بمآلات الوضع الاقتصادي ومستويات الأسواق، وهل الوضع الذي يعيشه الاقتصاد السوداني يحتمل حديثاً عقلانياً عن هذا الشرط.

وظيفة البنك المركزي تتمثل في إدارة الجهاز المصرفي، والتحكم في السيولة عبر أدوات السياسة النقدية المعروفة، مثل: الاحتياطي القانوني، والسوق المفتوحة، وسعر الخصم، وبدائله الإسلامية، مثل: هوامش المرابحة، والسقوف، وغيرها، إضافة إلى ما يسمى بالإقناع الأدبي، وإجراءات ما بين المصارف والتأثير في عمليات أسواق المال عبر اسعار الفائدة  وبدائلها،  كما أن البنك المركزي في الأساس هو المصدر الأخير للسياحة تلجأ اليه البنوك التجارية في حالة العجز المؤقت في السيولة أو في حالة تعرضها لهزة مالية عبر ما يسمي بشباب الخصم وليس خاصماً، ومصادرة لها.

هذا الإجراء يتعارض مع اقتصاد السوق المعتمد علي سياسة التحرير الاقتصادي سيئة الصيت، التي دمرت الاقتصاد السوداني؛ لتطبيقها في ظروف غير مواتية، وتفتقد أدنى شروط التحرير الذي يتطلب الحرية والنزاهة والشفافية، وليس في ظل سياسة التمكين التي مكنت الفساد، وأصّلته في صلب الاقتصاد السوداني.

كما تتنافي مع شروط الأنظمة الاقتصادية المختلطة القائمة على القطاع الخاص والمؤسسات الحكومية والشراكة بينهما.

على أي حال هذا الإجراء من قرارات الأزمة الحادة التي يعانيها الاقتصاد السوداني، والتي تزداد قبضتها علي خناقة يوماً بعد آخر، والتي زادت من معاناة الناس بشكل حرمهم حتى من الوصول إلى مرتباتهم الهزيلة التي لا تفي بأدني احتياجاتهم، وأصبحت هذه الحقوق حقوقاً افتراضية لا وجود لها في الواقع.

 

وبهذا القرار حول البنك المركزي معظم البنوك التجارية إلى محلات لتجارة المفرق (القطاعي) تلهث وراء رزق اليوم باليوم، في أيام جف فيها الزرع والضرع ،ولم تبق فيها إلا أياد مرفوعة للسماء ترجو الخلاص من قوي قدير يرفع الظلم، ويرد الحقوق لأهلها المغلوبين على أمرهم.

التعليقات مغلقة.