الواقع الثقافي: أمية ثقافية عالية بين طلاب الجامعات العربية

  • 03 أبريل 2017
  • لا توجد تعليقات

هذا بعض مقال كلفت فيه برصد الواقع الثقافي لطلاب الجامعات السودانية في إطار دور الجامعة في التنمية الثقافية.. كان ذلك قبل سبع سنوات.. لما قرأت اليوم هذا الجزء انتابني إحساس بأن الأمر على ما ذكرته قبل سنوات إن لم تزدد سوءاً.. فقلت في سري فلماذا ننزعج إن لم نجد أسماء جامعاتنا في الألف الأولى ضمن أفضل الجامعات على مستوى العالم..

لم يعدّ الواقع الثقافي لشبابنا مرضياً عنه، لا في السودان وحده، بل أصبح هاجساً عاماً في كل أجزاء الوطن العربي، على اختلاف بيئاته الاجتماعية، وتنوع إمكاناته الاقتصادية.. ولعل التقرير الذي قدمته مؤسسة الفكر العربي بالتعاون مع المؤسسة العربية للعلوم والتكنولوجيا ومركز دراسات الخليج عن (التنمية الثقافية) بتاريخ 13 نوفمبر 2008م في القاهرة يمثل رصداً لواقع التنمية الثقافية في 22 دولة عربية، في مجال التعليم والإعلام وحركة التأليف والنشر والإبداع، بالإضافة إلي جزء خاص عن الحصاد الثقافي السنوي في العالم العربي خلال عام 2007م.. والتقرير يبين حجم الأمية الثقافية المنتشرة في العالم العربي، ومدى خطورة ذلك على نهضة وتنمية مجتمعنا العربي.

ذلك أن التقرير رصد واقع التعليم العالي والبحث العلمي، إذ ارتفع عدد الطلبة من 895 ألف طالب في عام 1975م، ليصل إلى 7 ملايين و164 ألفاً عام 2006م، بزيادة نسبتها 800%.

وارتفع عدد الجامعات العربية من 230 جامعة عام 2003م، ليصل إلى 395 جامعة عام 2008م، وارتفعت نسبة الإناث في التعليم العالي من 28.4% من مجموع الطلاب المسجلين لتصل إلى 47.8% عام 2006م، وارتفعت نسبة مشاركة المرأة في التعليم الجامعي من 18% -13% من إجمالي هيئات التدريس عام 1975م لتصل إلى 28% عام 2006م بزيادة نسبتها 56%.

وفي المجال الإعلامي رصد التقرير ما حققه الإعلام من تطور نمو بني المؤسسات الصحفية، إذ بلغ عددها الإجمالي للصحف اليومية في الدول العربية عام 2006م نحو 267 صحيفة، ووصل عدد الصحف الأسبوعية إلى 507 صحيفة، وبلغ عدد القنوات الفضائية العربية 482 قناة، مضافا إليها قنوات التليفزيون المشفرة.

بالإضافة إلى نمو معدلات أجهزة توفير خدمة الإنترنت، وارتفاع عدد مستخدمي الإنترنت في العالم العربي من 700 ألف عام 1998م ليصل إلى 1.5 مليون مستخدم عام 1999م بزيادة 104%، علاوة على الزيادة الكبيرة في عدد المواقع العربية المسجلة على الإنترنت، بنسبة بلغت 353% خلال الفترة من 2001 – 2007م.

ووصف عام 2007م بأنه عام الإبداع بامتياز، الإبداع الشعري والروائي، إضافة إلى الإبداع الدرامي والمسرحي والسينمائي والموسيقي والغنائي.

أما عن المؤشرات السلبية التي رصدها التقرير في الملفات المختلفة التي تناولها، فقد أشار إلى أنه في ملف التعليم نجد أن متوسط معدل التحاق الصافي في التعليم ما قبل الابتدائي في الدول العربية يبلغ 22%، وفي المرحلة الابتدائية فيبلغ 84%، وفي المرحلة الثانوية 68%، وهي معدلات تقل كثيراً عن مثيلاتها في الدول الغربية، إذ تبلغ نسبة الالتحاق في مرحلة ما قبل الابتدائي 85% في اليابان و74% في ماليزيا، ولمرحلة التعليم الابتدائي 100% في اليابان و99% في كوريا الجنوبية و95% في ماليزيا وإيران، وللتعليم الثانوي 90% في اليابان وكوريا و75% في ماليزيا وإيران وتركيا.

كما أشار التقرير إلى ضعف جودة التعليم في الدول العربية بسبب الكثافة الطلابية في الفصول، وضعف الموارد المتاحة (مبانٍ، وتسهيلات علمية، ومكتبات ودوريات وكتب، وتردي أوضاع الهيئات التدريسية، وافتقار البحث العلمي للتواصل مع احتياجات المجتمعات والاقتصاديات العربية بسبب غياب التخطيط الصحيح، وانفصال البرامج الدراسية عن احتياجات سوق العمل).

وأوضح التقرير سلبيات الملف الإعلامي فذكر أن نصيب الفرد العربي يقل في الصحف داخل أغلب الدول العربية، فضلاً عن قصور في الصحف المتخصصة. كما أن الكثير من القنوات الفضائية تجاهلت أهمية التركيز على إيجابيات الإعلام المتخصص، وركزت في الترفيه والتواصل كدافع أول للمواطن العربي للتعامل مع هذه القنوات والإنترنت، ويأتي دافع الحصول على المعلومة في مرتبة متأخرة.

وأشار التقرير إلى أن الكتب المنشورة، بالنسبة إلى حركة التأليف والنشر، في الدول العربية لا تمثل سوى 15% من إجمالي الكتب التي نشرت في العالم العربي عام 2007م، والتي بلغت 27 ألفا و809 كتاباً، بينما تصل نسبة الكتب المنشورة في الأدب والأديان والإنسانيات إلى 65% من هذه النسبة الإجمالية السابقة. ويصدر كتاب لكل 12 ألف مواطن عربي، بينما هناك كتاب لكل 500 إنجليزي، وكتاب لكل 900 ألماني، أي أن معدل القراءة في العالم العربي لا يتجاوز 4% من معدل القراءة في إنجلترا.

وحول قضية الحصاد الثقافي، فقد تطرق التقرير إلى رصد الإشكاليات المعيقة لمسيرة التنمية الثقافية، ومنها إشكالية الثقافة العربية الأم والثقافات الفرعية، والتراث والعصر، وأزمة الهوية الثقافية، وتحديات الإعلام، وأزمة القراءة والتواصل، والترجمة، ودور المال في دعم الإبداع العربي، الفكر القومي وأزمته، والثقافة العربية المتوسطية، وثقافة المنفى أو المهجر. [ المرجع: ميدل ايست اونلاين ( بتصرف ) ]

أما حركة النشر في السودان، فقد كان لا يتجاوز ما ينشر من المطبوعات على 600 في كل عام في موضوعات مختلفة قبل عام 2005م، ثم ارتفع بسبب مطبوعات ( الخرطوم عاصمة الثقافة السودانية سنة 2005 م) إلى 986 ، وبلغ عددها 809 سنة 2006م، و763 عام 2007م، و808 حتى نهاية سنة 2008م .. و في هذا العام لم يتجاوز عدد المطبوعات في المجال السياسي   عن 30، المجال الديني 55، الكتب التعليمية 150، في موضوعات تخصصية 123، الأكاديمية 150، بينما بلغت المصنفات الثقافية 350 مطبوعةـ تشمل القصص والدواوين الشعرية وخلافها.

كما بلغت صحف الهيئات والدوريات المصدقة (77) منذ نوفمبر 2004م، حتى نوفمبر 2008م، هذا، إن لم نكترث كثيراً إن بعضها صدرت بمناسبة احتفالية معينة، ولم يصدر لذلك منها غير عدد واحد، وبعضها نشرات خاصة لمنسوبي الجهة التي أصدرتها؛ مما يجعل أثرها الثقافي محدوداً. غير أن من اللافت للنظر كثرة الصحف الرياضية، واتساع الصفحات الرياضية في الصحف السياسية، ويعزى سبب ذلك إلى اهتمام جمهور القراء بأخبار رياضة كرة القدم خاصة، ومن ثم تغذية للصراع المشروع حولها.

ومن ناحية أخرى؛ نبهت مجموعة من المقالات في وسائل الإعلام المختلفة عن ضعف ثقافة الطلاب المعرفية خاصة، وما وصلته من أمية ثقافية، فقد ذكر في مقال منها أن معلوماتهم العامة تثير الضحك والخوف على مستقبل الأوطان في ظل متخرجين في الجامعات بدرجة أمية ثقافية عالية، وننقل هنا ما كتبه حواس محمود (التنمية الثقافية في العالم العربي) عن الأمية الثقافية المنتشرة في العالم العربي، فقد ذكر أن هذه الأمية تتجسد في ضعف المعلومات الثقافية لدى الشباب، بينما يحظى اهتمام شريحة واسعة من الشباب العربي أمور أخرى لا علاقة مباشرة لها بالثقافة ) كالولع بنجوم الرياضة والسينما والتليفزيون والفيديو …ألخ)، وفي إشارة واضحة عن تدني مستوى الاهتمام بالثقافة في العالم العربي ذكر ما أوردته مجلة الوسط اللندنية في عددها رقم 400 الصادر في 27 سبتمبر 1999م من خبر عن التحقيق الثقافي الذي قامت به مجلة “تشرين الأسبوعي” السورية الذي شمل عينة من طلاب جامعة دمشق حول المستوى الثقافي للطلاب، وكانت نتائج التحقيق كما تقول الوسط مقلقة تستدعي التفكير والتصرف قبل فوات الأوان، فقد كشف الاستطلاع أن معظم الطلاب لا يقرؤون الصحف المحلية مطلقاً، في حين بلغ متوسط ساعات الجلوس أمام التلفاز 6 ساعات يومياً، وكشفت الأسئلة التي تتعلق بالشخصيات العامة عن جهل الطلبة بأسماء شخصيات لها دور وطني بارز، فمثلاً عرف الكثيرون المفكر التنويري عبد الرحمن الكواكبي على أنه صحافي مصري، وسعد زغلول بأنه شاعر سوري، والشاعر التشيلي بابلونيرودا بأنه أديب مغربي وهكذا .

ولكن الأمر اختلف عند ما تعلق السؤال بمسألة تلفزيونية أو سينمائية، إذ تم السؤال عن جنسية الممثلة الأمريكية ” شارون ستون” وعن فلم “غريرة أساسية” كأشهر أفلامها، إذ كانت أجوبة أكثر الطلاب صحيحة، وذكر الكاتب نفسه أنه تقدم في مصر أكثر من (2000) من خريجي الجامعات للعمل مذيعين ومترجمين ومحررين؛ ولم ينجح واحد منهم في الاختبار، مع أن الأسئلة كانت تدور حول المعلومات العامة، وذكر أن إجاباتهم حملت العجب العجاب، منها أن انجلترا عاصمة بريطانيا، ومنابع نهر النيل تبدأ من دلتا مصر، والسد العالي أنشئ بعد حرب أكتوبر 1973م.. وذكر أن الأمر لا يختلف كثيراً في الكويت، وأشار إلى ما أجرته صحفية الرأي العام الكويتية من استطلاع على مجموعة من الشباب لقياس مستوى ثقافتهم فتبين أن لديهم معلومات جيدة عن الممثلين واللاعبين وعروض الأزياء والموضة، وبسؤالهم عن كوفي عنان عده 59 بالمئة من العينة حارس مرمى منتخب الكاميرون، وبعضهم قال إنه منظر شيوعي، بينما لم يتعرف إلى عمله الحقيقي أميناً عاماً للأمم المتحدة سوى 23 بالمئة، أما روجيه غارودي، فأجاب 16بالمئة من أفراد العينة أنه لاعب في منتخب فرنسا 1998م، بينما لم يتعرف إليه سوى 23 بالمئة من الشباب، أما الشيخ أحمد ياسين زعيم حماس فقد عده الأغلبية أنه شقيق الممثل الكوميدي إسماعيل ياسين.

ولا أظن أن النتيجة كانت ستكون أفضل حالاً لو أجريت الاختبارات نفسها على الطلاب في بلاد عربية أخرى.. فالشكوى عامة. وما يلاحظه الأساتذة في الجامعات السودانية عن إجابة الطلاب في المقابلات الشخصية أو في الامتحانات يشير إلى أمية ثقافية لا تقل عن أمية أقرانهم في البلاد العربية الأخرى، إن لم تزد عليها لأسباب تتعلق ببنية التركيب الاجتماعي والاقتصادي، وعدم الاستقرار أو الأمن في بعض أطرافه، والإثنية الثقافية في غالب تكويناته الاجتماعية.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*