تصفية مؤسسات التعمية

تصفية مؤسسات التعمية
  • 22 أكتوبر 2019
  • لا توجد تعليقات

د. وجدي كامل

ما شاهدناه امس من عنف سائل وصريح يجتاح جناح الجمهوريين بأراضي المعارض ببري يحث على اعادة تعريف ظواهر المرضى بالعصاب السلفي لعهد الإنقاذ ما يستدعي إقامة معرض خاص بهم من ناحية، والتحليل لشخصياتهم وبحث كيف اصيبوا، ولماذا وصل بهم المرض الى تلك الدرجة من الرعب والاستثارة العصبية بالنظر الى محمود محمد طه، وإنتاجه الفكري كباعث للجنون،و مثير استثنائي من مثيرات الأعصاب. لا شك ان الرجل اثر حى، نافذ من اثار الإنقاذ وروائح سيرتها الصادمة، ولكنه وفي عمق ذلك التعريف يستوجب وصفه كاثر من اثار الانتقام وسلطة المنتقمين التاريخية في علاقتها بالتفكير الاحادي و تحرشها على الإسلام نفسه في نسخه السلفية الخشنة، الممعنة في عدم قبول الآخر وافكاره بالعمل على التخلص منه بدلًا عن محاورته ومجادلته والسعي لاستيعاب أطروحته. في ظني ان الجمهوريين اذا ما وجدوا الى الرجل سبيلا ( في حال سلامته العقلية وإصابته العصبية فقط) سيحسنون اعادة تربيته فكريا و تحويله الى حليف ونصير للفكرة، في غياب اي ضمانات من جانبي بالا يكون اول كادر عنف في تاريخهم الناصع البياض من المتطرفين. لماذا تحارب الفكرة بالعنف، بالسلاح، والقتل المعنوي، والهجوم الشخصي وليس بالفكرة المضادة؟ أكرر ان اهم مشكلات القضاء على ميراث الثلاثين عاما الماضية من الحكم غير الرحيم تقوم في عدم التفكيك النظري، التحليلي الكافي للظاهرة السياسية التي حكمت ووظفت الإسلام كاداة للسلطة السياسية, والنهب الاقتصادي .
بتعريف انها ظاهرة الانتقام المجتمعي والاقتصادي العنيف سيظهر, وسيثبت ان إصلاح الخطا لا بد من ان يبدا بتعطيل سلطة المنتقمين من منابعها الاقتصادية، والمفاهيمية الثقافية، وتفريغ طاقاتها الإعلامية، وتبديل مناهجها التعليمية وهياكلها القانونية، وفي كلمة واحدة: تصفية مجمل موسسات التعمية والتجهيل التي صنعتها لارتكاب التدمير.
بعيدًا عن اي وصف استهلاكي مكرر ومسمى يذهب الى التبسيط من الكارثة يجوز القول ان ما حكمتنا قرابة الثلاثة عقود كانت هي ذات سلطة المنتقمين او الانتقاميين. فضرب التطور (على نسبية وقلة فلاحه) بسعة عقود ما بعد الاستقلال و الاستئثار المطلق بالبلاد قبل وبعد تقسيمها لم يتم الا في تمادينا بعدم انتاج طبقة وسطى متينة البنيان، ذات اثر عضوي في التطور الاجتماعي والاقتصادي والثقافي. لقد عملوا على انتاج البدائل باسم الأصالة الدينية الإسلامية في نسخها المعتمة، غير المفعلة، وإغراق المنظومة او المجتمع السياسي المضاد في الفشل حتى اذا ما عاد الى السلطة ولو في أنظمة ثورية موازية تكشفت تواضع مهاراته في ابتكار الحلول الذكية و السيطرة على مفاتيح سؤال النهضة كرد على ما واجهه من نكبة ومصير بائس.
التاسيس لطبقة وسطى جديدة ذات بنيان صلد ولسان فصيح في التعبير عن افكار التطور هو ما سيكون الضامن الفعلي للتطور وعدم الردة الحضارية للمجتمعات السودانية باستعادة زمام المبادرة الثقافية والاقتصادية المنتجتين لحقبة جديدة من العمل على مادة الواقع بالمواكبة والتحديث. ذلك للاسف لن يتم بتعديل وتحسين العقل السياسي السائد (الراغب في التغيير) ولكن بهدمه وإعادة تشكيله بواسطة العقل الثقافي الثاقب النظر لمستقبل جاذب وجدير بالحياة يقرا التطور في مظانه ومراكزه، وحلقاته الحية الحيوية .

الوسوم د.-وجدي-كامل

التعليقات مغلقة.