صراع العسكر و المدنيين في الولايات

  • 17 نوفمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

مظاهرات و مواكب الثوار المطلبية المتكررة بالولايات و تحركات لجان المقاومة التي تسعى لتفكيك التمكين بيديها من خلال الاستيلاء على دور المؤتمر الوطني و ممتلكاته ، هذه الملامح قادت إلى مواجهات و احتكاكات بين الولاة العسكريين و المدنيين الثوار . اذ يرى المدنيين ان الولاة العسكريين لا يقومون بواجبهم الكامل في إزالة التمكين، بينما يرى الولاة العسكريين ان الثوار المدنيين لا يفهمون حساسية موقف الولاة و وضعهم . لا يمكن أن نعزي هذا الخلاف إلى خلاف راهن ظهر مع الثورة ، و إنما يمكننا الإشارة إلى ان هذا الأمر ناتج أساسا من الاختلاف الجذري بين مفهوم ( العسكري ) و ( المدني ) ( للدولة ) .

العساكر بطبعهم التدريبي في السودان ينشأون على الضبط و الربط و السمع و الطاعة، و هي صفات لا مكان لها بين المدنيين ، و يحتوي قانون القوات المسلحة على عقوبات صارمة في حالة مخالفة الأوامر الصادرة من الرتب الأعلى ، لذلك حين اجبرتنا الانقاذ على التدريب بعد الثانوية كان العسكر يقولون لنا عندما نرفض تنفيذ أمر ما ( يا مستجد نفذ و بعد ذلك اتظلم ) . و بالطبع هدف العساكر من هذه القوانين ليس انتهاك حقوق العسكري و اذلاله و إنما منع التصرفات الفردية خاصة في حالات العمليات العسكرية و التي قد تكلف مخالفة الأوامر فيها الجيش خسارة كبيرة في الأرواح و المؤن و المعدات ، لذلك فمخالفة الأوامر في الجيش تعتبر انتهاك لقدسيته و شرفه .

هذه الضوابط و الروح القانونية في الجيش تجعل كل من هو أعلى منك رتبة أحق باحترامك و توقيرك، و لأن الولاة العسكريون هم قادة الجيش في الولايات فقد تعودوا طيلة فترة عملهم العسكرية على التزام جنودهم بتعليماتهم و إطاعتها و أحيانا كثيرة تنفيذها بدون نقاش ، و هو ما لم يجدوه من المدنيين اثناء تسنمهم قيادة الولايات ، فالمدني لا يجبره اي قانون على إطاعة الأوامر ، بل يعتبر اعطاء الأوامر في حد ذاته انتهاك لحقوقه و كرامته ، من هنا انطلقت بذرة الخلاف .

من هنا حدث الصدام في الولايات بين الولاة العسكريين و المدنيين، و زاد الأمر سوءا مجيء هذا الامر في أعقاب ثورة مازال معظم المدنيين فيها يعتبرون أن العسكريين ليس أهل للثقة ، خاصة بعد أحداث فض الاعتصام أمام قيادة الجيش و التي راح ضحيتها المئات من الثوار بدون أي تدخل يذكر من الجيش قيادة و أفرادا لحماية المعتصميين السلميين من الثوار .

و يبدو أن هذا الاحتكاك المتكرر بين الولاة العسكريين و المدنيين احد اسباب ما رشح في الأخبار في وقت سابق عن مطالبة الولاة العسكريين باعفائهم ، و ربما هو نفسه احد الاسباب التي تجعل قوى اعلان الحرية و التغيير في عجلة من أمرها لتعيين ولاة مدنيين للولايات رغما عن نصوص اتفاقية جوبا مع الحركات المسلحة و التي تنص على ارجاء تعيين الولاة لحين الوصول إلى السلام .

الصراع العسكري المدني في الولايات يوضح بجلاء أن الحكم مسؤلية المدنيين ، و أن شعار دولة مدنية ليس شعارا عبثيا ، فالمدنيين أكثر قدرة على الاستماع إلى الآراء و أكثر قدرة على التجاوز و التغاضي و الاعتذار و التراجع ، و هي صفات يراها كثير من العسكريين منقصة في حقهم من واقع التدريب الذي يتلقونه ، كما يشير هذا الصراع إلى ضرورة إصلاح الأجهزة العسكرية السودانية بما يجعلها أكثر مرونة في تقبل الرأي و الرأي الآخر داخل الجيش .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*