لإكمال جغرافيا الدولة، ثلاث مناطق في دارفور سوف يعمل الدعم السريع على الاستيلاء عليها قبل التقسيم: الطينة، مستريحة، جبل مرة …

لإكمال جغرافيا الدولة، ثلاث مناطق في دارفور سوف يعمل الدعم السريع على الاستيلاء عليها قبل التقسيم: الطينة، مستريحة، جبل مرة …
  • 25 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

حيدر التوم خليفة

في مقال سابق ذكرت أنه قد تم تفعيل الخطة (ب)، أي خطوات تقسيم السودان، وهي الخطة الأصل، وقد كانت الحرب الرافعة الرئيسية لتنفيذها، واليوم نجد أن الكثير مما يتعلق بخيار التقسيم من مطلوبات يجري ويدور في الخفاء، وهو حل يجد القبول حتى من جهات رسمية داخل الدولة..
وذكرت أن ظهور حميدتي الآن هو إعلان انطلاق مرحلة إشهار الدولة الوليدة، وبدء مساعي الاعتراف بها..
وأن الأمور إذا سارت وفق ما خُطط لها، فسوف نشهد سوداناً جديداً خلال الفترة القادمة..
وأن العقوبات التي طالت العديد من قيادات الدعم السريع قُصِد بها تحجيم أي منافسة لحميدتي في قيادة مرحلة التأسيس الجارية الآن، وهو اليوم في حكم رئيس الدولة.
وأن حميدتي سوف يفتتح نشاطه الداخلي بمصالحات قبلية، متجاوزاً المرارات والخلافات، هادفاً لاستعادة بريقه، وتثبيت الثقة التي بدأت تتزعزع وسط أتباعه، وقد يبدأ جهوده بتصفير العداد مع أعدائه التقليديين وعلى رأسهم زعيم المحاميد موسى هلال..
ولكن من الواضح أن لدى عبدالرحيم دقلو، القائد الميداني، خططاً أخرى يسعى من ورائها لتأكيد زعامته ووراثة الحركة..
وأن أكبر تحديات الدولة الجديدة هو الصراع العرقي المؤجل بين مكوني الزرقة والعرب، وإدراكه أن على العرب توحيد كلمتهم وزعامتهم تحت راية واحدة، بلا تعدد أقطاب قبلية قد يقود إلى استقطابات تُضعف سيطرة المكون العربي ومكانته أولاً، وتضعف الدولة ثانياً..
وأن الإقليم يجب أن يكون تحت سلطة واحدة قابضة مؤمنة بقضية الاستقلال، ولا تخضع أي من مكوناته لجهات لها ارتباط بالدولة الأم، خاصة الجيش، ولا وجود لجهات تعلن الحياد في ظل معركة استقلال مصيرية، أو مجموعة تسبح ضد تيار الدولة الوليدة.
وعند الدعم السريع، هذا هو الخطأ الذي وقع فيه هلال بإعلانه صراحة الوقوف مع الجيش ضد مشروع القبيلة، فالتوالي مع الجيش ضد الدعم خط أحمر، فكان لا بد من إخضاع المحاميد أرضاً وإنساناً لسلطة الدولة المفترضة، والقضاء نهائياً على المنافسة التاريخية وسباق الزعامات بين عشيرتي المحاميد والماهرية، فعليه جاء قرار الاستيلاء على مستريحة، الذي نُفِّذ اليوم..
وذات الأمر سوف يتكرر مع قبيلة الزغاوة، ومع عاصمتهم “الطينة”، وهي الآن خارج سلطة آل دقلو، ولكن سوف تشهد الأيام القادمة زحفاً كبيراً من الدعم السريع بقوات مهولة فوق طاقة المشتركة، ولكن سيطرة الجيش الجوية سوف تعيق مشروع إكمال الدعم الرامي إلى الاستيلاء على الطينة، وربما تستمر الإعاقة لفترة طويلة، الأمر الذي سيفتح قنوات المفاوضات السرية بين الأطراف المتحاربة، خاصة الحركات المحسوبة على قبيلة الزغاوة…
وأرى أن المرحلة الأولى للدعم قد لا ترمي إلى احتلال المدينة، وإنما تدميرها وتهجير أهلها، أي تشتيت المكون السكاني الذي يرمز إلى الوجود والاستمرارية، وذلك لحين اكتمال إجراءات التقسيم، ومن ثم الدخول في مفاوضات مع قادة القوات المشتركة، وعلى رأسهم جبريل ومني مناوي، لتسوية الخلافات..
أما المعضلة الكبرى فسوف تكون السيطرة على مناطق قوات عبد الواحد محمد نور، وتحديداً جبل مرة، والذي سوف يتم محاصرته بالكامل، وقد يشهد الموقف الدخول معه في مفاوضات شاقة للانضمام للدولة الوليدة، وربما تشارك فرنسا في المفاوضات نسبةً لعلاقاتها المميزة مع نور، ولكن في النهاية يجب أن تكون منطقة جبل مرة جزءاً من الدولة سلماً أو حرباً، وما يهم عبد الواحد نور هو تقديم ضمانات له بأن يحتفظ أهله الفور بأرضهم، وحمايتها من تغول القبائل العربية الجائلة والمتنقلة..
وعموماً لن يكتمل شكل الدولة إلا إذا تم استيلاء الدعم وحلفائه على كل أرض دارفور، أي إكمال جغرافيا الدولة ليبدأ التاريخ..
وما ذكرته أعلاه قد بدأ تنفيذه، متمثلاً في الهجوم على مستريحة اليوم، وقبله الهجوم على الطينة، والذي سوف يستمر في الفترة القادمة كما ذكرت، بغرض الاستيلاء عليها، وإن تعذر ذلك تدميرها وتهجير سكانها، إنه نداء الجغرافيا، فلا دولة تُبنى على الورق، ولكن عمادها الأرض والشعب، حتى تتحول الفكرة إلى واقع…
قد تتغير الأمور وتتعقد، وقد ينجح الجيش في استرداد دارفور وطرد الدعم منها أو هزيمته، وقد يتأخر التنفيذ، ولكن مشروع التقسيم سائر في طريقه، بدعم من جهات عديدة ساعية إلى تحقيقه، إن لم يكن اليوم فغداً، لأنه هدف استراتيجي بالنسبة لهم، وأمر واجب التنفيذ، فهذا ما تقوله وتدفعهم إليه مصالحهم، وتنبئ به أفعالهم…
أخيراً، من خلال تحليل معطيات الواقع الحالي، يمكننا القول بكل اطمئنان إن الصراع بين مكونات الدولة الجديدة الوليدة سوف ينشب أشد عنفاً من جولاته السابقة، كما ينبئ بارتفاع احتمالية انفجار الصراع داخل البيت الدقلاوي، بين عبدالرحيم وإخوته غير الأشقاء، فالرجل يرى أنه الأحق بالزعامة، وأنه يستحق شرف لقب مؤسس دولة دارفور أو أياً كان اسمها، خاصة وأن معلومة موت حميدتي ما زالت تسيطر على قطاع كبير من أتباعه وأعدائه، وأكثر المستفيدين منها هو أخوه عبدالرحيم، والتي وظفها لتلميع صورته كقائد عملياتي أول، وضمانة لحرية التصرف الميداني، ولكن السيناريو الأسوأ له أن تصطاده إحدى مسيّرات الجيش، أو ترديه رصاصة من قناص غاضب من المحاميد..
إن هجوم مستريحة، إضافة إلى ما ذكرته بالأعلى، كان محاولة من عبدالرحيم قطع الطريق أمام حميدتي لأي تفاهمات سلمية تُحسب لصالحه لاحقاً..
ولكن ما مستقبل الدولة المتوقعة، في ظل صراع الإخوة، والعشائر والقبائل والعرق…؟
إنه سلسال الدم، ومسلسل الحروب…
وسوف يحتاج الزرقة إلى حرب أخرى للتخلص من الاستعلاء العرقي العربي عليهم، وعندها سوف يبدأ تقسيم المقسم، أو الإبادة المتبادلة، ووقتها، ويل للعرب من شر قد اقترب..
حيدر التوم خليفة
٢٣ فبراير ٢٠٢٦
السودان

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*