قراءة في رواية 48 للدكتور محمد المصطفى موسى عبدالله حامد

قراءة في رواية 48 للدكتور محمد المصطفى موسى عبدالله حامد
  • 11 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

د. الطيب حاج مكي

صدرت رواية ٤٨ للدكتور محمد المصطفى موسى عن دار زراف للنشر في (٣١٥) صفحة. وتُعد الرواية عملاً سردياً تاريخياً يستعيد مرحلة مفصلية من تاريخ السودان الحديث، مثلما يفتح الباب واسعا للمستقبل. بحيث اختار الكاتب أم درمان فضاءً مكانياً، وسوقها العتيق ” سوق العيش ” مسرحاً لتقاطع الأحداث والشخصيات. ويعكس هذا الاختيار وعياً فنياً عميقاً، إذ تمثل أم درمان مركز التكوين الوطني التاسيسي للسودان، بينما يشكل السوق الشعبي وسوق العيش بالذات فضاءً حياً للتفاعل الاجتماعي والسياسي. وستكون لي وقفات مع الرواية وفق الآتي:

أولاً: *البعد التاريخي وبناء السياق*:
تدور أحداث الرواية كما في اسمها في أربعينات القرن العشرين، وهي فترة شهدت تصاعد الصراع بين الاستعمار البريطاني والحركة الوطنية السودانية ، ما مهّد للحكم الذاتي ثم الاستقلال. وقد نجح الكاتب في المزج بين هذه الوقائع التاريخية والخيال السردي، مقدماً نصاً نابضاً بالحياة دون الوقوع في التقريرية.
وأبرز بوضوح سياسة “فرّق تسد”، كما تتجلى في خطاب اللورد (أنتوني إكسيلي)، الذي يوجّه المفتش “همفري”، كاشفاً عن وعي استعماري قائم على تفكيك البنية الاجتماعية السودانية.

ثانياً: *الشخصيات وتجسيد الصراع*:

تعكس الشخصيات التي وردت في الرواية تنوع المجتمع في أم درمان، وخاصة في سوقها حيث تتقاطع الهويات المحلية مع الحضور الأجنبي:

همفري: نموذج المستعمر المتعالي، الذي يجسد الخطاب الاستعماري ونظرته الدونية لشعوب العالم الثالث.

ديمتريوس: يمثل العقلية التجارية البراغماتية المرتبطة بالاقتصاد الاستعماري.

رافائيل البعلبكي: نموذج للمثقف/التاجر الأجنبي المرتبط ببنية السوق.

*أما الشخصيات السودانية*:

الرفاعي المجذوب: يمثل البعد الروحي الصوفي والتقليدي.

الصادق الطيب الأمين: يعكس الطبقة التجارية الوطنية ويحيل القارئ إلى نماذج عصامية حية مثل الشيخ مصطفى الامين.

عوض الكريم: شخصية محورية، ينتمي إلى أسرة أنصارية مؤيدة للمهدية، ولكنه تاثر بالوافدين وصار يحمل ميولاً يسارية ويتبنى بعض أطروحات الحزب الشيوعي. وتبرز أهمية عوض الكريم في اكثر من ملمح بوصفه رمزاً لـ مؤتمر الخريجين، الذي يجسد محاولة تاريخية مبكرة لتجاوز الانقسامات الطائفية والسياسية. كما يمكن قراءته بوصفه امتداداً رمزياً لبعض أفراد من عائلة الامام المهدي الذين سعوا إلى تغليب المشروع الوطني بمسايرة الأفكار الراديكالية واليسارية والبعثية.

أما (ماتريد)، فهي شخصية نسوية معقدة، تجمع بين إدارة “الإنداية” والعمل الخيري، لتجسد ازدواجية المجتمع السوداني وقدرته على التعايش مع التناقضات.

ثالثاً: التحليل البنيوي للرواية :

من منظور بنيوي، يمكن قراءة الرواية بوصفها شبكة من العلاقات الثنائية (Binary Oppositions) التي أحكم الروائي الحاذق بناءها الداخلي، ومن أبرزها: الاستعمار / الوطن ويرمز له (همفري) مقابل (عوض الكريم) والمادي / الروحي ويرمز له (ديمتريوس) مقابل (الرفاعي المجذوب) والأجنبي / المحلي ويرمز له (رافائيل البعلبكي) مقابل (الصادق الطيب الأمين) والتفكك / الوحدة ويرمز له سياسة الاستعمار مقابل مشروع مؤتمر الخريجين وتبنى أغلب أحداث الرواية حول “السوق” كبنية مركزية (Structure) تتقاطع فيها هذه الثنائيات، حيث لا يُقدَّم السوق كمكان فقط، بل كنظام دلالي يعكس المجتمع كله.

ومن داخل السوق عمد الروائي الدكتور محمد المصطفى موسى إلى السرد مستخدمًا تكنيك شديد الذكاء ومنه:

تعدد الأصوات (Polyphony)، حيث تتجاور رؤى “همفري” و”ديمتريوس” و”عوض الكريم” وتتحاور وتؤثر وتتأثر دون إلغاء أحدها وهذا التوازي السردي بين الشخصيات، خلق شبكة علاقات دلالية عميقة كشفت منطق كل منهم. ورواية 48 تميل إلى تفكيك المركزية، حيث لا توجد شخصية واحدة مهيمنة، بل بنية جماعية تعكس المجتمع بتعدده وتعقيداته في الفترة ما بعد كرري.

رابعاً: قراءة رواية 48 وفق رؤية ما بعد الاستعمار (إدوارد سعيد نموذجاً) :

إذ يمكن قراءة الرواية في ضوء أفكار إدوارد سعيد، خاصة مفهوم الاستشراق، الذي يقوم على تمثيل الشرق بوصفه “آخر” متخلفاً يحتاج إلى السيطرة. ويتجلى ذلك في شخصية همفري، الذي ينظر إلى السودانيين بوصفهم:

شعوباً متفرقة وغير قادرة على إدارة نفسها وبحاجة إلى سلطة خارجية. وهو خطاب يتطابق مع ما طرحه إدوارد سعيد حول إنتاج المعرفة الاستعمارية كأداة للهيمنة.

في المقابل، وظفت الرواية أصوات وشخصيات مثل عوض الكريم والرفاعي المجذوب وماتريد لتمثل أشكالاً من المقاومة الثقافية، حيث يعيد عوض الكريم صياغة الهوية الوطنية عبر الجمع بين المرجعيات. وأرجح أن رواية 48 رأت أن الجمع بين المرجعيات يمكن توظيفه كعملية ديناميكية لدمج المكونات الثقافية، والدينية المختلفة في إطار متكامل، بهدف صياغة هوية سودانية تحول التنوع من مصدر للصراع إلى ثراء حضاري. ولهذا نجد إشارات في الرواية توحي بأن هذه الديناميكية تتطلب توازناً بين القيم الثابتة والمتغيرات المعاصرة، وتبنّي الحوار والمرونة لتعزيز الهوية الجماعية والشخصية في سياق عالمي ولا أعلم إن كان انتخاب (العتالي) فيه استلاف أو توظيف للتوازن بين القيم الثابتة والوافد المتغير. ومن جهة فإن التوازن ماضي بما يجسده الرفاعي المجذوب من العمق الروحي الصوفي في مواجهة المادية الاستعمارية. كما تمثل (ماتريد) صاحبة الإنداية نموذجاً مجتمعياً عصياً على التصنيف الاستعماري.  ومن جهة فإن قول ديمتريوس يعتبر مفتاحي:

“هذه البلاد تلفظ من لا يفهمها”  لأنه يعكس فشل المشروع الاستعماري في فهم البنية العميقة للمجتمع السوداني وثقافته وأنه ليس مجتمع (خلو) أو سبورة ليكتب فيها الاستعمار ما يشاء، وهو ما ينسجم مع نقد إدوارد سعيد لفكرة الهيمنة المعرفية الغربية.

خامساً: الرمزية في الرواية

تعتمد رواية 48 على بنية رمزية كثيفة واتبرع بفك شفراتها:

• السوق: رمز للسودان بتنوعه وصراعاته
• أم درمان: تمثل الهوية الوطنية والذاكرة التاريخية
• عوض الكريم: رمز للوعي الوطني الحديث والتلاقي السياسي
• ماتريد: رمز للتسامح والتعايش الاجتماعي
• همفري: رمز للهيمنة الاستعمارية
• ديمتريوس: رمز للرأسمالية المرتبطة بالاستعمار
سادساً: الرؤية النقدية

تطرح رواية 48 للدكتور محمد المصطفى موسى أسئلة عميقة حول:

• إمكانية بناء هوية وطنية جامعة
• أثر الاستعمار في تشكيل الانقسامات
• دور النخب (مثل مؤتمر الخريجين) في تجاوز هذه الانقسامات
وتحاول رواية 48 القول بأن السودان ليس مجرد كيان جغرافي، بل تجربة إنسانية معقدة لا يمكن فهمها من الخارج. وإذا كان لهذا التحليل نصيب من صحة فإن رواية 48 تمثل عملاً سردياً ناضجاً يجمع بين التاريخ والبنية الرمزية العميقة. ومن خلال شخصيات مثل همفري وديمتريوس ورافائيل البعلبكي والرفاعي المجذوب والصادق الطيب الأمين وعوض الكريم وماتريد، ينجح الكاتب في تقديم لوحة متعددة الأصوات تعكس تعقيد المجتمع السوداني. وينفع هنا الدمج بين الثابت والمتغير عبر تجديد القيم الجوهرية (اللغة، الدين، التاريخ) مع الانفتاح على التحولات الراهنة. واعتبار التعدد حقيقة واقعية بما يرتب قبول التنوع (الإثني، الثقافي، السياسي) كعنصر أساسي لادارة الحياة المعاصرة كما تجسد ذلك أم درمان.

وعبر السرد في الزمان والمكان والحبكة الصراعية، تنقل رواية 48 معلومات تاريخية مهمة، وأفكار ثقافية، وتجارب عبر شخوص وحكايات جذابة. ومن إتقان الرواية لهذا السرد يتأثر القارئ كما لو أنه يعيش مع شخصيات الرواية صراعاتهم. وفي أحيان كثيرة تحول الرواية بصورة درامية المشاهد العادية إلى تجارب إنسانية غاية في الإمتاع وبأسلوب وصفي  جاذب.

ومن وجهة نظر نقدية أن توظيف التحليل البنيوي والقراءة ما بعد الاستعمارية كشف عن عمق النص، وأكد أن الرواية ليست مجرد استعادة للماضي، بل إعادة تفكير في الحاضر وفتح نافذة لبناء الوعي الوطني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*