مؤتمر برلين: ما الذي تخشاه حكومة الأمر الواقع في بورتسودان من الدعم الدولي؟

مؤتمر برلين: ما الذي تخشاه حكومة الأمر الواقع في بورتسودان من الدعم الدولي؟
  • 10 أبريل 2026
  • لا توجد تعليقات

ميرغني أبشر

تتجه الأنظار إلى العاصمة الألمانية برلين، حيث يُعقد في الخامس عشر من أبريل 2026 مؤتمر دولي رفيع المستوى لدعم السودان، بالتزامن مع مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب التي دفعت البلاد إلى واحدة من أعقد أزماتها الإنسانية والسياسية. ويأتي هذا المؤتمر امتداداً لمسار دولي بدأ في باريس عام 2024 وتواصل في لندن عام 2025، في محاولة لحشد الموارد وتنسيق الجهود لمواجهة الانهيار الإنساني المتفاقم.

في هذا السياق، أعلنت وزارة الخارجية الألمانية بوضوح خلفية المؤتمر وأهدافه، حيث قالت الناطقة باسمها: “يحيي اليوم العالم تاريخاً حزيناً: ألف يوم على الحرب في السودان.. ما زال العديد من الناس يعانون ويموتون هناك، إنهم ضحايا الجوع والعطش والنزوح والاغتصاب”، مؤكدة أن ما يجري يمثل “أكبر أزمة إنسانية في العالم زجّت بالفعل بملايين المدنيين في الفقر، وأدّت إلى مقتل عشرات الآلاف”، مع التشديد على أن ألمانيا تبذل كل ما في وسعها، سياسياً وإنسانياً، للمساعدة على الأرض ووضع حد للقتال.

هذا التوصيف لا يكتفي بوضع الأزمة في إطارها الإنساني، وإنما يكشف طبيعة التحول في المقاربة الدولية، التي لم تعد تقف عند حدود إعلان التعهدات، وإنما انتقلت إلى بناء آليات محكمة تضمن وصول الدعم إلى مستحقيه بعيداً عن قنوات السلطة التي ارتبطت تاريخياً بإهدار الموارد أو توجيهها خارج أهدافها.
وليس هذا التحفظ الدولي وليد اللحظة، إذ تعود جذوره إلى تجارب سابقة موثقة في إدارة الدعم، حيث شهدت مؤسسات الدولة خلال سنوات حكم الحركة الإسلامية حالات تدخل مباشر في توجيه التمويل الدولي بعيداً عن أغراضه. من أبرز تلك النماذج ما جرى في مشروع التعداد السكاني، حين وفرت منظمات دولية دعماً مالياً وعينياً لتنفيذ عملية إحصائية استراتيجية كان يمكن أن تؤسس لقاعدة بيانات وطنية دقيقة، غير أن قراراً صدر من رئاسة الجهاز التنفيذي بتوجيه من أعلى مستويات السلطة قضى بتحويل تلك الموارد إلى مسارات أخرى لا علاقة لها بالمشروع، ما دفع الجهات المانحة إلى سحب التمويل فوراً، وضاعت بذلك فرصة تأسيس بنك معلومات وطني يخدم التخطيط التنموي.
وفي قطاع الزراعة، تكرر المشهد بصورة أخرى حين أبدت منظمة الأغذية والزراعة (الفاو) تحفظها على تقديم دعم واسع بعد إصرار الجهات الرسمية على التحكم في توزيع الموارد، الأمر الذي قوض الثقة في آليات الصرف المحلية وأضعف فرص الاستفادة من التمويل الدولي في أحد أهم القطاعات الحيوية. هذه السوابق لم تكن أحداثاً معزولة، وإنما شكلت أساساً لفهم دولي مفاده أن تمرير الأموال عبر القنوات الرسمية يعرضها لمخاطر التسييس وسوء الاستخدام.

على هذا الأساس، قامت مؤتمرات باريس ولندن على مبدأ “تدويل قنوات الصرف”، بحيث لا تمر الأموال عبر أجهزة الدولة أو أطراف النزاع، وإنما تُدار من خلال منظومة متعددة تضم وكالات الأمم المتحدة والمنظمات الدولية والمنظمات غير الحكومية. وقد تجسد ذلك في إنشاء صندوق السودان الإنساني المشترك الذي يديره مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية، حيث تُجمع الموارد وتُوزع وفق أولويات ميدانية محددة، إلى جانب التمويل المباشر عبر وكالات أممية مثل برنامج الأغذية العالمي، واعتماد أنظمة دقيقة لتتبع التدفقات المالية ومراقبة تنفيذها. كما ارتبط هذا المسار بمبدأ الوصول الإنساني دون عوائق، عبر الضغط لفتح ممرات آمنة تضمن وصول المساعدات إلى المتضررين.

غير أن هذه الإشكالات لم تدفع المجتمع الدولي إلى التراجع، وإنما إلى مزيد من التشديد على الرقابة وتطوير أدوات التنفيذ.
يأتي مؤتمر برلين في هذا السياق بوصفه مرحلة أكثر تقدماً، حيث لا يقتصر على حشد الموارد، وإنما يعيد تنظيم العلاقة بين الإغاثة والعمل السياسي. فالمؤتمر يتجه إلى ربط التمويل بالنتائج، وتعزيز الرقابة الميدانية، والحد من التعهدات غير المنفذة، مع توسيع نطاق الدعم ليشمل اللاجئين في دول الجوار والمجتمعات المستضيفة، إلى جانب تعزيز التمويل المباشر للمنظمات الدولية. كما يجري ربط تدفق الدعم بمسار سياسي تقوده منظومة دولية وإقليمية تشمل الأمم المتحدة والاتحاد الإفريقي والاتحاد الأوروبي والجامعة العربية ومنظمة الإيغاد، في محاولة لدفع الأزمة نحو تسوية شاملة.

في ضوء هذه المعطيات، يتضح أن موقف حكومة الأمر الواقع في بورتسودان لا ينفصل عن طبيعة هذه الآليات. فالمؤتمر لا يكتفي بتقديم الدعم، وإنما يحدد مسبقاً قنوات صرفه ويضعه تحت رقابة دولية مباشرة، كما يربطه بمسار سياسي يسعى إلى إنهاء الحرب. هذا التحول ينقل مركز إدارة الموارد من الداخل إلى منظومة دولية متعددة الأطراف، ويقيد قدرة السلطة على التحكم في تدفقات التمويل، وهو ما يفسر حالة الرفض الحادة.
كما أن غياب حكومة الأمر الواقع في بورتسودان والتي يسيطر على مفاصلها الإسلام السياسي وحركته المصنفة عن ترتيبات المؤتمر، مقابل حضور قوى مدنية وسياسية، يعكس توجهاً لإعادة تشكيل المجال المرتبط بإدارة الأزمة، وهو ما يضيف بعداً سياسياً مباشراً لهذا الرفض.
بهذا المعنى، لا يدور الخلاف حول مبدأ دعم الشعب السوداني، وإنما حول من يملك قرار إدارة هذا الدعم، وكيفية توظيفه، والحدود الفاصلة بين العمل الإنساني والمسار السياسي. فالمشكلة لم تكن في تصميم الآليات، وإنما في واقع التنفيذ الذي دفع المجتمع الدولي إلى نقل إدارة الموارد خارج القنوات التقليدية، وتشديد الرقابة، وربط التمويل بمسار يهدف إلى إنهاء الحرب.

وبينما يستمر الجدل، يبقى التحدي الأساسي هو قدرة هذا المسار على تحويل التعهدات إلى واقع ملموس يخفف معاناة السودانيين، ويفتح نافذة حقيقية نحو كسر دائرة الحرب الممتدة.

الوسوم ميرغني-أبشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*