أهداف الثورة و محاكمة الدعم السريع

  • 20 نوفمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

عندما هبت ثورة ديسمبر كان لها هدف اول سامي و تحته تتناثر أهداف لاحقة ، هذا الهدف الاول هو الإطاحة بالدكتاتور عمر البشير ، ثابر الثوار و صبروا شهورا على المواكب و استنشقوا من الغاز المسيل للدموع ما يكفي قارة أفريقيا جمعاء ، و احتلوا السجون التي ضاقت بالآلاف المؤلفة من السودانيات و السودانيين من كل الاعمار ، و احتملوا السياط و الرصاص ، و كان كل ثائر يخرج من منزله لموكب يخرج و هو متقبل لفكرة أنه قد لا يعود إلى الأبد . لذلك انتصروا و أسقطوا الدكتاتور .

تم تحقيق الهدف الأول و الاهم على الإطلاق لثورة ديسمبر و هو إسقاط البشير ، و تبقت أهداف لاحقة مثل السلام و العدالة و الحريات ، و هي لاحقة لانه بدون إسقاط البشير ما كان يمكن أن تتحقق . في ما يختص بالسلام احتوت الوثيقة الدستورية على فصل كامل مختص بالسلام ، هذا غير الحقيقة الواقعية بأن الجبهة الثورية و هي إحدى الكيانات المسلحة كانت جزء من قوى اعلان الحرية و التغيير التي قادت الثورة ، و رغم ما حدث لاحقا بعد سقوط البشير من خلافات داخل قوى اعلان الحرية و التغيير استنكرت فيها الجبهة الثورية اقصاءها و عدم اشراكها في شئون التفاوض و ما نتج عنه ، إلا أن كل ذلك لا يمكن أن ينفي حقيقة ان الجبهة الثورية واقعيا أصبحت في سلام مع السلطة الجديدة و التي تضم معظم حلفاءها في الماضي المعارض القريب، لهذا لم يستغرب احد اعلان الجبهة الثورية الالتزام بجدول التفاوض و الوصول إلى سلام قبل حلول التوقيت الذي أعلنه اعلان جوبا لذلك و هو ١٤ ديسمبر القادم .

فيما يتعلق بالحركات الأخرى غير الجبهة الثورية ، فالحلو يبدو قريبا جدا من السلام و في موقف ليس بعيد عن موقف الجبهة الثورية ، بينما يغرد عبد الواحد محمد نور منفردا ضد الوثيقة الدستورية و الحكومة الانتقالية ، و هو موقف صادم للثورة و الثوار ، اسقط شعبية هذا الرجل التي بدأ يتمتع بها أثناء الثورة ، فمن يقف أمام سلام يريده الشعب باكمله و بمبررات واهية كالتي أطلقها عبدالواحد فليس له مكانة في قلب الشعب . لذلك يبدو أن تحقيق هدف السلام يمضي جيدا نحو التحقق عبر بناء إجماع حقيقي حول سلام شامل يتخطى بالوطن مرحلة الحرب و يدخل به مرحلة البناء .

الهدف الشائك مازال هو هدف العدالة ، فهدف تحقيق العدالة حتى لحظة سقوط البشير كان يتمحور حول محاكمة قادة النظام و أنصاره الفاسدين ، بينما بعد الصراع مع المجلس العسكري و خاصة ما حدث في ٨ رمضان و فض الاعتصام و ٣٠ يونيو ، صار هدف العدالة بالنسبة للثوار المدنيين في المقام الاول هو محاسبة المجلس العسكري و قوات الدعم السريع ، و التعقيد الأكبر أن المجلس العسكري و قوات الدعم السريع صاروا شركاء بنص الوثيقة الدستورية في الحكم مع المدنيين ، و بالتالي أصبحت الصورة غارقة في القتامة و ملتبسة لأبعد الحدود ، إذ تبدو الحكومة كأنها اتفاق المضطرين الذين يتربص كل طرف منهم بالآخر ، و هو جو خانق لا يتوقع أن يساهم في إنجاز ملفات الدولة بالشكل المطلوب ، لذلك لابد من مقاربة تنهي هذا الواقع الذي ينذر في كل لحظة بالانفجار، و ربما البحث في هذه المقاربة هو الذي هدى الأستاذ الشفيع خضر لإطلاق ما سماه المساومة التاريخية بين الإسلاميين و اليسار ، و تاريخيا تبدو القصة مشابهة لما حدث مع الإمام علي كرم الله وجهه حين طالبه معاوية بالقصاص لدم عثمان و كان رأي الأمام علي مع تأخير القصاص لا تركه ريثما تنجلي الفتنة و يسهل التحقق من القتلة و القصاص منهم .

المقاربة التي وضعتها الوثيقة الدستورية لتحقيق هدف العدالة كانت هي تكوين لجنة مستقلة للتحقيق في فض الاعتصام ، و وافق المجلس العسكري على ذلك ، كما وافق لاحقا على تعيين قاضية من الثوار و نائب عام من الثوار ، مما أعطى انطباع أولي بانه لم يغترف جرما كما ينتشر بين الجميع ، و الا لوقف أمام اللجنة المستقلة و القاضي و النائب العام، و هذا الاستنتاج يتحاشاه الكثيرين في ظل وجود شهود و فيديوهات و صور وحشية لفض الاعتصام في العاصمة امام قيادة الجيش و من قوات ترتدي زي الدعم السريع و استمرار فض الاعتصام لفترة طويلة بدون تدخل مباشر من المجلس العسكري يأمر فيه القوات التي فضت الاعتصام بالتوقف او يواجهها عسكريا . لذلك يبدو أن ما ستعلنه اللجنة المستقلة سيكون بلا شك غير مرض لأحد الطرفين المجلس العسكري سابقا او الجماهير ، و في كل الأحوال قد يقود هذا للانفجار و خروج الامر عن السيطرة ، مما يستدعي اطلاق مزيد من المقاربات التي قد يرتأي بعضها أسلوب الامام علي كرم الله وجهه بتأجيل القصاص لا تركه ، لحين استقرار الوطن .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*