ظهور حميدتي… الغاية والدلالات..تفعيل الخطة ب تقسيم السودان ..

ظهور حميدتي… الغاية والدلالات..تفعيل الخطة ب تقسيم السودان ..
  • 23 فبراير 2026
  • لا توجد تعليقات

حيدر التوم خليفة

قبل عدة أشهر كتبت مقالاً ذكرت فيه أن الآلية الرباعية، وُجِدت ليس لتحقيق الحل، وإنما لتأخيره وتأجيله حتى يحين وقته، لِيُنجز وفقاً لما يخدم الأهداف والمصالح الأمريكية..
وذكرت في مقال آخر، أن أمريكا ومنذ زيارة الفريق إبراهيم عبود لها في الرابع من أكتوبر ١٩٦١، في عهد الرئيس كيندي، وضعت الخطط لتقسيم السودان، وهي الخطة التي تم تضمينها ضمن المشروع الأمريكي ١٩٧٠/٢٠٢٠ لإعادة تقسيم المنطقة العربية، متجاوزةً لاتفاقية سايكس بيكو، وإعلان خارطتها الجغرافية الجديدة، بما يحقق أهدافها، ويخدم مصالحها، وقد شملت الخطة تقسيم العديد من الدول العربية والإسلامية، من خلال المواجهة التي تديرها القوى الخفية، تلك المواجهة القائمة بين القوى الصهيوصليبية والإسلام..
وفي السودان تم تنفيذ المرحلة الأولى بذهاب الجنوب، بذات القوى، ونحن الآن على أعتاب نهاية المرحلة الثانية، والتي ستنتهي بفصل ثلاثة أقاليم، وهي دارفور وجبال النوبة، والنيل الأزرق، علماً بأن الحرب الحالية كانت الرافعة التي استُخدمت لتحقيق هذا الأمر، مثلما استُخدمت حرب الجنوب لذات غرض التقسيم..
والمُنفِّذ المباشر هو الدعم السريع، والمتعهد هو دولة الإمارات..
ويخطئ العديد من المحللين بعدم إدراك مرامي وأهداف الحرب الحقيقية، وأدوار العديد من الجهات فيها، خاصة الدور الوظيفي للإمارات، وذلك نتيجة لتحليل فطير وسطحي غير ثاقب لرؤية ما وراء الحدث، والاشتغال بوكيل مأجور مأمور، والانحراف عن الفاعل الحقيقي، أو إدراك المالك الخفي الذي يدير اللعبة، فالإمارات ليست أكثر من بيدق، ودولة وظيفية تم استخدامها وتوظيفها لأداء هذا الدور، وفي النهاية سوف تأخذ أتعابها مثل الآخرين، فهي تنفذ ما تؤمر به من جهات خفية تقف وراء الحرب في السودان رعايةً وتخطيطاً وتمويلاً، وهي جهات ضمن المنظومة الصهيوصليبية، التي تجمع بين أجهزة الاستخبارات، وبيوتات المال العالمية والجمعيات الدينية، وكارتيلات السلاح، والشركات العابرة للقارات، والتنظيمات الخفية أو خدام لوسيفر، أي هي كشكول يجمع بين اللاهوت والمصالح..
ولم تكن من أهداف الحرب في يوم من الأيام لدى مخططيها، التمكين لحميدتي من حكم السودان كله تحت راية الوحدة، وإن كان هذا ما أوهموه به، ولكن كانت غايتها إعداد المسرح لتقسيم السودان، مع إحداث تغييرات ديمغرافية عميقة بين مكونه السكاني..
وموضوع التقسيم هو الذي جعل المخططين يدفعون بالحلو إلى الالتحاق بمشروع الدعم السريع، ثم أخيراً تفجير الأوضاع في إقليم النيل الأزرق، مترافقاً مع تكوين حكومة مرحلية (إدارة مرحلة تأسيس الدولة، وهذا اسم الحكومة)، الغرض منها إدارة حوار التقسيم من مستوى سياسي عالٍ، أي مستوى حكم موازٍ سياسياً للحكومة المركزية، حوار بين حكومة وحكومة، مما يسهل الاعتراف بها وبدولتها الوليدة، وهو ما دفع مصر إلى السعي لعرقلة هذا المخطط، بدفع القادة الأفارقة في اجتماعهم الأخير، إلى تبني قرار مجلس السلم الإفريقي الذي ترأسه مصر حالياً، بعدم الاعتراف بأي مكونات موازية للحكومة المركزية، وهو قرار يُضعفه استمرار تعليق عضوية السودان في الاتحاد الإفريقي..
ومن جانب، نجد أن ارتكاب الفظائع وجرائم الإبادة الجماعية، والطرح الإعلامي الكثيف المتوالي عليها هذه الأيام، هو من ضمن إعداد المسرح لتقبل الحل القادم المطروح، والمخطط له أن يتم وفق خطة التقسيم..
ومن جانب آخر فهو يمثل قيودَ سجانٍ على أيدي مجرمين تم استغلالهم لتنفيذ أعمال إبادة جماعية قذرة، ضمن خطة شاملة جارٍ تنفيذها، وسوف تُستخدم تهم وحيثيات هذه الجرائم إضافةً إلى العقوبات التي طالت العديد من قيادات الدعم السريع، لتحقيق هدفين، الأول هو إضعاف هيمنة القبائل العربية على الدولة الوليدة، بحجة ارتكابهم لجرائم تطهير عرقي تم توثيقها عالمياً، خاصة في الفاشر والجنينة، والهدف الثاني هو إضعاف خصوم حميدتي أو أي منافسين له، قد يمثلون تهديداً لسلطته في مرحلة إنشاء الدولة، لأن هذا سوف يؤثر على خططهم سلباً..
وواضح أن الخطة الأصلية هدفت إلى أن يترافق التقسيم مع أكبر عملية إحلال سكاني عرقي لسكان الوسط والشمال، مع تفريغ للوجود العربي وتقليصه من امتداداته في دول وسط الغرب الإفريقي، عبر دفعه للهجرة إلى السودان، والتمكين له اقتصادياً، بحكم أنه عنصر وافد يسهل التحكم فيه لاحقاً..
وهذا يتطلب إزاحة سكان دارفور إلى الوسط، مع إبادة بعض المكونات غير المرغوب فيها من أجل الأرض، وعلى رأسهم الزغاوة والمساليت، مع تهجير سكان الوسط داخلياً، وتشتيتهم في المنافي الخارجية، أو إبادة الجزء الأكبر منهم (راجع تسجيلات وكتابات الجبوري والكجنكي والربيع والتي كانت وما زالت تبشر وتدعو لمشروع إبادة قبائل الشمال والوسط الأصلية)..
وضمن ذات التفكير الذي ينتهجه بعض المحللين، فقد ظن البعض أنه قد حان الوقت للإمارات لحرق حميدتي كورقة سياسية، أو التخلص منه، ولكن هذا خطأ، فقد كان حميدتي مُدَّخراً طيلة الفترة الماضية من أجل هذه اللحظة، لهذا لن يتم التخلص منه إلا بعد التقسيم وإرساء الدولة الجديدة، فعندها فقط يمكنهم التخلص منه إذا احتاجوا إلى ذلك، بوصفه خطراً عليهم بما يحمله من معلومات، وبما يمثله من ماضٍ إجرامي يجب تغييبه، فهم لا يخشون الحاضر، ولكنهم يخشون محاكمة التاريخ..
وبمجرد ظهوره بدأت عملية غسيل الإمارات من جرائمها، وتنظيف سجلها الأسود في مجال حقوق الإنسان، ومحاولة إسقاط المسؤولية الجنائية عنها وتبرئتها، ففي الأمس كان اعتراف حميدتي أنه من قام بتوظيف مرتزقة أجانب في جيشه، ولا شيء يمنعه من ذلك فهو في حالة حرب، في محاولة منه لدفع الاتهام عن الإمارات وتبرئتها، وحمَّل نفسه وحده القرار وتداعياته، خاصة وأن الدور الإماراتي في خواتيمه، وسوف تعمل الإمارات على الانسحاب من ملف الدعم السريع، بمجرد الشروع في تنفيذ التقسيم (الخطة ب)، وهذا يفسر التناغم بين الخطوة القادمة، وبين تصريح البرهان عن استبعاد الإمارات من أي حل قادم، كأنه بلع الطعم، وفتح لها باب السلامة لتترك المسرح بعد أن أدت دورها، فاسحة المجال أمام لاعبين جدد للاطلاع بتنفيذ مهام الخطة (ب)، وهي الخطة الرئيسية..
لقد انتهت الخطة (أ) باحتلال قوات حميدتي لدارفور وولاية غرب كردفان، وقيام حكومة تأسيس، أي إنجاز حدود وشكل الدولة (مرحلة التأسيس على الأرض)، وتليها مرحلة الاعتراف بالدولة…
وما دفعهم للتحرك إلى الخطة (ب) هو تحقيق الجيش لانتصارات كبرى، وتهديده لمشروعهم، وإعلانه سعيه لاستعادة دارفور وشروعه في ذلك، وطرده لقوات الحلو من كردفان بعد نجاحه في فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج، وتهديده لكاودا، وهزيمة قوات الدعم السريع في جنوب النيل الأزرق، وكل ذلك تم بعد الدعم العسكري الكبير من دول مصر والسعودية وتركيا، والذي خلق واقعاً ميدانياً جديداً، وإذا استمر بنفس نجاحاته الحالية سوف يطيح بمشروعهم، وتضيع معه جهود سنوات، وهنا بدأ تفعيل الخطة (ب)، للوصول إلى الهدف النهائي وهو تقسيم السودان. بعد أن تم تجميد الحل وحبسه ضمن إطار الآلية الرباعية لفترة كانت كافية لإنضاج بعض مكونات الطبخة، والتي كانت أمريكا تمثل دور الشيف الخفي فيها..
وقد اتضح كما ذكرت أن أمريكا لا تريد حلاً وفق ما تطرحه في العلن عبر الرباعية، ولكنها تسعى لتحقيق حل بما يخدم أهدافها وخططها، لأنهم لو أرادوا تحقيق الحل لفعلوا منذ وقت سابق بعيد، فمكالمة واحدة من سيد البيت الأبيض أياً كان، لمحمد بن زايد كفيلة بإيقاف الحرب تماماً..
وكان ظهور حميدتي الأخير وهو في لبسه الإفريقي، مهاجماً للسعودية، والتي تعتبر حالياً رائدة العرب والمسلمين، مبشراً بالعلمانية، مهاجماً الإسلاميين، في رسالة تحمل إشارات مهمة للغرب وللدول الإفريقية، مؤكداً لأتباعه أنه تام الإيمان، صحيح الدين، ومعافى في جسده، وليس روبوتاً كما يُشاع، أي أنه أهل لقيادة المرحلة المقبلة، منتقداً لاستقلال الدولة، والذي قصد منه أنه كان يجب أن يكون استقلال دول متعددة وليست دولة واحدة، رافضاً للرباعية والتي تتكون من ثلاث دول عربية، إضافة إلى الدولة صاحبة مشروع الحرب، متوجهاً إلى محيطه الإفريقي، رغماً عن عرقيته العربية، معلناً في خطاب تعبوي بداية مرحلة جديدة، يُفهم منها التخلي عن هدفها الأول، وهو حكم كل السودان، بعد إعلانه ضمنياً أن قواته قد تخسر الحرب مع وجود المسيرات الحديثة، بعد أن خسرتها في الخرطوم فعلاً، لهذا فالاتجاه نحو التقسيم هو الأوفر حظاً..
إن ظهوره الآن يحمل دلالات كبيرة إضافة إلى ما سبق، فهو إعلان بعودته إلى قيادة المعركة، بعقلية السياسي، وليس بعقلية العسكري، بعد أن نعى الجهود العسكرية والتي بدأت تتآكل وتعصف بها الخلافات القبلية، حتى وصلت مكونه الرئيسي بتداعيات خلاف الماهرية والمحاميد، وحالات التداعي والانسلاخات اليومية من الدعم، وضعف المدد الخارجي وقصف طرقه، مما أدى إلى فشله في تحقيق الخطة (أ) بحكمه كل السودان، والتي لم تكن هدفاً في ذاتها لدى المخططين له، وإنما خطوة نحو الخطة (ب) الرامية إلى تقسيم السودان..
لهذا ظهر حميدتي في أوغندا التي تحتضن وجوداً سياسياً سودانياً كبيراً، مُدشِّناً لمعركته السياسية القادمة الرامية إلى فصل دارفور، رافضاً لأي دور عربي عبر رفضه للرباعية كما قلت، وأنه يسعى إلى حل داخل إطاره الإفريقي، ويسعى إلى كسب الدعم الإفريقي لإعلان دولته الجديدة ضمن الحل السياسي، لأن البديل هو الرجوع إلى الحرب، وقد رأى العالم ويلاتِها وفظائعها، بعد أن نفى حميدتي عن قواته هذه الجرائم والتجاوزات، وبرأها منها، وألصقها بمجموعات من الشفشافة أي النهابين وعصابات قطاع الطرق من بعض الجماعات القبلية المتفلتة، والتي وعد بمحاربتها..
إنه بداية التحرك السياسي لحميدتي، بعد أن انتهى الأخ الأكبر عبد الرحيم من تنفيذ الدور القذر، المحصور في الكسب العسكري للدولة الوليدة وتأكيد حدودها، لقد ظهر حميدتي لقيادة مرحلة الاعتراف بالدولة سياسياً، بعد أن انتهت مرحلة تأسيس الدولة جغرافياً..
ودولة حميدتي قطعت شوطاً بعيداً في الترسيخ لوجودها، عبر إعلانها إنشاء بنك خاص بها، ومنع تداول العملة السودانية، وربط اقتصادها بعملة جنوب السودان، وذلك وضع سوف يستمر حتى طباعة عملتها الجديدة، هذا إضافة إلى خطواتها العملية في إقامة امتحانات لطلاب الشهادة الثانوية، بمعزل عن الشهادة السودانية، لتأكيد هوية الدولة التعليمية، خاصة وأنها تمتلك عدة جامعات مؤسسة جيداً..
وقد انتقد حميدتي الأداء الإداري للدولة، نتيجة لترسخ روح القبلية والجهوية، لهذا نجد أن الإذلال المتوالي للنظار والعمد، هو فعل متعمد يحمل رسالة قامعة مفادها أن الدولة القادمة لا تعترف إلا بسلطة الدولة، التي لا تعلوها سلطة، وأن الدولة هي الأساس، وفوق القبيلة، وهي دولة بُنيت بتضحيات مئات الآلاف من المؤمنين بها..
ومن جانب آخر، نجد أن سيناريو التقسيم هذا تعلمه مصر جيداً، وربما وافقت عليه في حدود فصل دارفور وجبال النوبة، ولكنها تعارض بشدة استقلال إقليم النيل الأزرق، لارتباطه وتأثيره المباشر على أمنها المائي، لهذا أكثر مسؤولوها من التصريح بأن وحدة السودان خط أحمر، مع علمهم جيداً أنه كان بإمكانهم تدارك هذا الموقف الذي آلت إليه الأمور، وذلك عبر تفعيل اتفاقية الدفاع المشترك، والتي لم يلتفتوا إليها إلا بعد أن ازدادت مخاطر ودلائل تقسيم السودان بما فيه إقليم النيل الأزرق، بل صار أمراً واقعاً..
وهنا لا أستطيع أن أنفي أو أؤكد موافقة البرهان على هذا المخطط، وإن كنت أميل إلى علمه به، وعدم ممانعته، وأتمنى أن لا يعارضه إذا تم تطبيقه وأصبح واقعاً، لأنني لا أعتبره تقسيماً، بل أعتبره تصحيحاً للأوضاع، وتصويباً لأخطاء المستعمر، وتصالحاً مع التاريخ..
ورفض البرهان له سوف يفتح على البلد أبواب جهنم، إذ سوف تعود الحرب أكثر ضراوة، بعد أن يلعب أصحاب المشروع على المكشوف، ويمدون الدعم بكل محظور من الأسلحة، خاصة وأنهم استثمروا الكثير من المال والوقت، وقد حان ميعاد سداد الدين وحصاد الغلة..
إن واحدة من مشاكل السودان اليوم، هو تصرف العسكريين الأحادي، وانفرادهم بحكم البلاد، فما زال البرهان يضع البلد في جيبه كأنها إرث أبوي، يقرر لوحده فيها، وكل همه كيف يظل على سدة الحكم رئيساً مدى الحياة..
ختاماً، مخطئ من يظن أن حميدتي قد تم تغييبه طيلة الفترة الماضية لمرض أو علة أصابته، ولكن لأن المرحلة السابقة لم تكن مرحلته، وأن أوانه قد أزف، فالثورة تحتاج إلى أيقونة، والدولة الجديدة تحتاج إلى رمز مقبول من الجميع، ملتف حوله..
لهذا سوف يبدأ نشاطه بتصفير الخلافات المجتمعية مع الرموز القبلية من غير انكسار، وأولها مع هلال..
وسوف يعمل الذين يوظفونه على تقديمه ككاسترو أي كثائر وطني آخر، أو أزهري محقق الاستقلال، ومؤسس الدولة الجديدة، والتي استبقت الأحداث وسمت حكومتها باسم تأسيس، فهل ما هو قائم يحتاج إلى تأسيس، أم الجديد من يحتاج إلى تأسيس..؟
ظهور حميدتي يمثل إعلان تأسيس الدولة سياسياً، وهذا ما سوف نشهده في الأيام القادمة..
حيدر التوم خليفة
السودان ٢٢ فبراير ٢٠٢٦

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*