الديبلو لـ “إندبندنت عربية”: النظام البائد جذّر الجهوية والقبلية وفاقم مشكلة “الهوية”

الديبلو لـ “إندبندنت عربية”:  النظام البائد جذّر الجهوية والقبلية وفاقم مشكلة “الهوية”
سليمان الديبلو
  • 28 نوفمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

رصد- التحرير- عن اندبندنت عربية:

حاوره: إسماعيل محمد علي

أرجع رئيس مفوضية السلام في السودان الدكتور سليمان الديبلو، في حوار مع “اندبندنت عربية”، جذور مشكلة الصراعات والحروب التي قادت حركات التمرد لرفع السلاح ضد الحكومة السودانية المركزية منذ 2003، إلى أنها مشكلة تاريخية تتعلق بالهوية، معتبراً أن السودانيين لم يحسموا أمر هوياتهم المتجاذبة بين العربية والأفريقية، وقد تعمقت الجهوية والقبلية خلال فترة الحكم السابق. ويرى أن ذلك فرض واقعاً كارثياً أثر سلباً على استقرار البلاد، مؤكداً أن الوصول إلى سلام حقيقي وعادل يتطلب مناقشة مجمل القضايا والتوصل فيها إلى اتفاق واضح ومرض للجميع. وهو ما جرى خلال المفاوضات الجارية بين الحكومة السودانية والحركات المسلحة في العاصمة جوبا.

خميرة عكننة

يقول الديبلو عن جهود الحكومة السودانية لتحقيق السلام في ضوء المفاوضات الجارية مع الحركات المسلحة ممثلة في الجبهة الثورية والحركة الشعبية بقيادة عبدالعزيز الحلو، “توصلت الحكومة السودانية في العاصمة جوبا إلى اتفاقين، الأول عبارة عن اتفاق إطاري تبعه الاتفاق الأخير الذي تم في الجولة الأولى من المفاوضات ونتج عنه بعض الاتفاقيات المهمة لأنها أرست القواعد الأساسية للتفاوض، وقد كانت مع الحركة الشعبية- شمال جناح الحلو التي تمارس نشاطها العسكري في مناطق جنوب كردفان، وكان جدول أعمال المفاوضات الذي اتفق عليه الجانبان خميرة عكننة بين الحركة الشعبية وحكومة الرئيس السابق عمر البشير لمدة 8 سنوات”، لافتاً إلى “أن حركة الحلو امتدحت مسار الحكومة في التفاوض بتأكيدها أنها تتفاوض حالياً مع شركاء حقيقيين خلاف ما كانت تتفاوض في السابق مع أعداء”، في إشارة إلى نظام البشير.

وتابع “أما الاتفاق الثاني وقع مع الجبهة الثورية بمكوناتها التسعة، وأهميته في كونه أسس لاتفاق سياسي لوقف إطلاق النار من الطرفين، وفي العهد السابق كان يتم وقف إطلاق النار من طرف واحد، وهو اتفاق شامل أجندة التفاوض ومساراتها مع الحركات المسلحة في مناطق دارفور والنيل الأزرق”.

خريطة طريق

وحول دور مفوضية السلام التي أنشئت أخيراً، أوضح أن “الدور الأساسي للمفوضية يتمثل في تنفيذ ما نتج من اتفاقيات سلام والإسهام في بلوغ السلام في أنحاء البلاد، ولدينا خريطة طريق واضحة المعالم تشمل رؤى وبرامج مختلفة، فمثلاً سينظم وفد من المفوضية في دارفور ثلاث ورش عمل مع النساء وممثلين لمعسكرات النازحين، للاستماع إلى رؤيتهم حول عملية السلام”. وأكد أن المفوضية تعد مؤتمراً جامعاً في الخرطوم يحضره ممثلون عن المتأثرين بالحروب في مناطق السودان للوصول إلى رؤية حول متطلبات السلام تعبر عن القابعين في معسكرات النازحين من النساء والشباب ورجالات الإدارة الأهلية”، مضيفاً أنه “سيتم في هذا المؤتمر إعداد وثيقة شاملة تحوي مفهوم السلام الذي يبتغيه المتضررون في مناطق الصراع لتسليمها للحركات المسلحة خلال الجولة الثانية من التفاوض المقرر انعقادها في العاشر من ديسمبر (كانون الأول) في جوبا”.

الجهوية والقبلية

لكن، ما هي جذور المشكلة التي تسببت في هذا الصراع؟ يجيب الديبلو أن “المشكلة من وجهة نظري تاريخية منذ استقلال السودان في عام 1956، وهي تتعلق بالهوية لأننا طيلة هذا الزمن لم نحدد هويتنا، فتارة ننسبها إلى العرب وطوراً إلى الأفارقة، فضلاً عن القضايا والمشكلات الأخرى المتعلقة بالدين والدولة، وشكل الحكم، وتوزيع الثروة، فجميع هذه القضايا لم تكن مؤسسة بشكل يرضي أهل السودان كافة، وبالتالي أستطيع القول إنه كان هناك عدم وضوح في مجمل هذه القضايا وأصبحت كارثية ووبالاً على استقرار البلاد خلال فترة الحكم السابق الذي عمق الجهوية والقبلية طيلة الثلاثين عاماً الماضية”. ولفت إلى أنه لكي نصل إلى سلام حقيقي وعادل لا بد من مناقشة هذه القضايا والتوصل فيها إلى اتفاق واضح ومرض للجميع.

أضاف “السلام لا بد أن يكون جامعاً دون اللجوء إلى المعادلات الفردية، وعلينا أن نأخذ في الحسبان التجارب السابقة، فمثلاً اتفاقيات السلام التي وقعت في أديس أبابا عام 1972 بين الشمال والجنوب، وكذلك اتفاقيات الدوحة مع الحركات المسلحة وغيرها كانت في بداياتها محترمة وتمت الإشادة بها لكن لم تصل إلى العلاج الحقيقي للمشكلة بسبب أنها لم تطرح كل القضايا بوضوح تام”.

ورداً على سؤال عن مدى الالتزام بالسقف الزمني الذي حددته حكومة رئيس الوزراء السوداني عبد الله حمدوك لبلوغ السلام خلال ستة أشهر من تشكيل حكومته التي تكونت مطلع سبتمبر (أيلول) 2019، يقول “تحديد هذا السقف الزمني كان مجرد آمال وتطلعات الشعب السوداني بعد الثورة الشعبية التي عمت البلاد وأطاحت النظام السابق في أبريل (نيسان) 2019، لكن اتضح أن معالجة هذه المشكلة تحتاج إلى جهود كبيرة ومتسع من الوقت، لذلك أعتقد أن بلوغ السلام إذا تم في سنة سيكون إنجازاً كبيراً”.

شركاء حقيقيون

وعن مدى جدية الحركات المسلحة للوصول إلى سلام وإنهاء الحرب الدائرة منذ 2003، يوضح الديبلو “نعم لمسنا من قادة تلك الحركات وممثليها جدية لتحقيق السلام، فهم لا يعتبرون أنفسهم مفاوضين بقدر ما هم شركاء في حلحلة مشكلات السودان، كما أن الطرح الحالي في المفاوضات بين الجانبين ليس كما في السابق، إذ لم يتم الحديث عن المحاصصة، بل تم التركيز على القضايا بشكل عام، فضلاً عن حرص قادة هذه الحركات على زيارة السودان بعد سقوط البشير في بداية التفاوض، وهو ما لم يكن يحدث في السابق إذ كان يتم التفاوض في أبوجا وباريس ولندن والدوحة، كما كان طرحهم متقدماً جداً، لذلك أعتقد أن المرحلة المقبلة تبشر بآمال كبيرة جداً تمكن من الوصول إلى حلول وسلام دائم”.

وعن تفسيره تأجيل إعلان المجلس التشريعي وتعيين ولاة لأقاليم السودان وارتباطه بمسألة المحاصصة التي تطالب بها الحركات المسلحة، يجيب “لا أعتقد ذلك، وليس لمسألة تأجيل التعيينات للمجلس التشريعي والولاة ارتباط بالمحاصصة مع الحركات المسلحة، لكن من ناحية الحرص فإن السودانيين جميعاً يجب أن يمثلوا في الحكم خصوصاً في المجلس التشريعي، وبالتالي قد ينظر لها بأنها محاصصة، وهي ليس كذلك بل حق وجزء من المشاركة في الحكم من خلال العملية التشريعية”.

تعدد المنابر

هناك من يرى أن لتعدد المنابر تأثيراً في عملية التفاوض، يرد رئيس مفوضية السلام “الواضح في تعدد المنابر هو متعلق بتعدد قضايا السودان، سواء أكان في الشرق أم في الغرب والشمال والجنوب، وليس هو تعدد مزاج، صحيح قد تجد صعوبة في عملية التفاوض من الناحية الفنية، لكن من الناحية العملية عندما يتم التفاوض في كل قضايا السودان تكون وصلت إلى المحصلة التي تهدف إليها”.

مع ذلك، فإلى أي مدى يدعم المجتمع الدولي عملية السلام؟ يقول الديبلو “المجتمع الدولي داعم حقيقي للسلام في السودان ويترقبه وينتظره بشغف، ولمست ذلك من خلال لقاءات سفراء الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة الأميركية واليابان والاتحاد الأفريقي وغيرهم، والمجتمع الدولي ينشد السلام خصوصاً أن السودان يمتاز بموقع استراتيجي”.

توفر النوايا

لكن، لماذا اختيار جوبا عاصمة جنوب السودان مقراً للمفاوضات؟ يوضح “اختيار جوبا له دلالة ترتبط بقضية استراتيجية مهمة، هي أنه إذا تم التوصل إلى حل مشكلات السودان، يعني أننا أسهمنا في حل المشكلات الداخلية لجنوب السودان، وكذلك حل المشكلات الحدودية والعالقة بين البلدين، وبالتالي سيسود السلام والتعايش والمحبة بين الشعبين، وهذا ما ينتظره العالم أجمع بأن يكون هناك سودان شمال وجنوب معافى من الأمراض”. ويلفت إلى أن جولة التفاوض المقبلة ستناقش القضايا كلها وليس شرطاً أن تكون نهائية وحاسمة، فقد تنتهي في أسبوع أو أكثر أو أقل، فالتفاؤل منحصر في السلام وليس بتوقيت محدد، لكن النوايا واضحة ومتوفرة بين الطرفين.


التعليقات مغلقة.