خدمة المواطن اولا

  • 26 ديسمبر 2019
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

في العصر الراهن تراجعت اصوات الشعارات القومية و الدينية ، و تقدم شعار الاقتصاد ، الناس اصبحوا يبحثون عن الاستقرار الاقتصادي و لقمة العيش و الصحة و التعليم قبل أن يبحثوا عن الشعارات البراقة .

الشعب لا يأكل الشعارات و إنما يأكل الخبز ، و طبقتنا السياسية قطاع واسع و عريض منها غارق في الشعارات و بخاصة الإسلاميين و اليساريين ، و هو وضع معكوس لا يتماشي و طبيعة الأجيال الجديدة التي تبحث عن تحقيق الذات و تتطلع لنظام حكم يخدمها لا تخدمه .

الحكومات الديمقراطية الثلاث حكمت ١١ سنة و لم يسعفها الزمان و لا تركها الصراع السياسي و تعدد الحكومات الائتلافية للتفرغ لبناء الوطن و خدمته ، على الجانب الاخر الحكومات العسكرية حكمت البلاد لمدة ٥٢ سنة و فشلت طيلة هذه المدة في قيادة البلد نحو الرفاهية و الاقتصاد القوي ، اذ ظلت ترفع طيلة هذه الفترة شعارات براقة و كاذبة تميل على الدين مرة ثم على القومية مرة ، ثم تخدع الشعب بشعارات السودان المستهدف من قبل الامبريالية و الصهيونية العالمية ، و غير ذلك من شعارات جوفاء لا تسمن المواطن و لا تغنيه من جوع و فاقة ، فالمواطن يريد أن يحيا حياة كريمة ، يريد ماء صحي و كهرباء و طرق و صحة و تعليم و إلخ ، المواطن يريد الخدمااات .

الحكومات التي مرت على السودان لم تكن حكومات خدمية تخدم المواطن ، بل كانت حكومات جباية ، تحلب كل ما يدخره المواطن بعد تعب و كد و اجتهاد ، المواطن دائما كان هو المسؤول عن تغطية مصروفات الحكومات و ليس العكس . و هذه الطريقة في التعامل السياسي مع الشعب زادت نفور الجماهير من السياسة و شعاراتها غير الواقعية ، و أبعدت الشقة بين المواطن و الأحزاب السياسية ، حتى وصلنا اليوم إلى شبه كفر من الأجيال الجديدة بالمكونات السياسية الموجودة في البلد ، و هي و ان كانت كارثة الا انها ضرورية لتنتبه الأحزاب و القيادات السياسية على حقيقة ما يريده الشعب ، فالمواطن يريد الخدمات ، لا يريد الليبرالية او النيوليبرالية او الاشتراكية او الاسلاموية بمعناها الذي تفهمه النخب .

الدرس المستفاد من أراد التقرب إلى الشعب من الأحزاب السياسية و الحكومات عليه الدخول من باب الخدمات ، تقديم برنامج خدمي حقيقي هو أفضل طريقة لكسب حب و تأييد الشعب ، بطلوا الشعارات الجوفاء و قدموا الخبز و الكساء ، قدموا للشعب الخدمات ثم احكموه بأي طريقة تضمن له الكرامة و لن يقل لكم ( تلت التلاتة كم ) .

نحن الآن في قاع العالم من كل النواحي ، و شعبنا من أكثر الشعوب معاناة و بؤس ، هذا يستلزم تغيير منهجي في طريقة أدارتنا للعملية السياسية من عملية ايدولوجية تحمي مصالح الأحزاب و الافكار التي تؤمن بها ، إلى عملية خدمية تحمي مصالح الشعب و تعمل على توفير لقمة عيش كريمة له .

من يقدم الخبز لا يحتاج ان يكون اشتراكي او راسمالي او إسلامي ، خدمة الناس ليست مربوطة بالمسميات، و إنما بالضمير ، من يملك ضمير حي لخدمة شعبه لا يحتاج لغطاء سياسي او ايدولوجي ، قدموا الخبز و الدواء و الرخاء و لن يسألكم الشعب ما دينكم و ما طائفتكم .

ما يبشر بالأمل أن هذا ما فهمه قطاع واسع من الأجيال الجديدة ، و هذا بالضبط ما كان محور ثورة ديسمبر ، و ظهر هذا جليا في التفاف الشباب حول تجمع المهنيين لانه مثل لهم خروجا عن النمط التاريخي و استقلالا عن النموذج السائد، و هو ربما ما عجل بمواقف من قوى الحرية و التغيير بعدم ترشيح السياسيين الصارخين في مؤسسات الحكم . و هذا الخط اذا استمر سوف يحمل في بذرته تغيير جوهري في بنية الأحزاب السياسية و سيمهد لاستقرار الحكم في السودان بتحويله الحكم من منصة ايدولوجيات متزمتة و متسلطة إلى مجرد وظيفة عبرها يخدم الحاكم شعبه و يخضع لهم .

ليس أمامنا كشعب سوى السير في هذا الطريق ، فهو طريق التاريخ الحتمي، و أيما تأخير بسبب الصراع او القداسة و الايدولوجيا لن يمنع الجماهير إلى الأبد من الوصول إلى نقطة حكومة البرنامج و حكم الشعب و لكنه سيعطلها فقط ، سنصل هذا الحلم و إن طال السفر .


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*