انقلاب  البشير.. دروس للرئيس و”الحلفاء”

  • 30 يونيو 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد – رئيس تحرير صحيفة "التحرير" الالكترونية

في مثل هذا اليوم ( 30 يونيو 1989) قاد ” العميد” عمر حسن البشير، انقلاباً عسكرياً، وأعلن ما سُمي بـ” ثورة الإنقاذ الوطني” التي أطاحت حكومة ديمقراطية منتخبة، انتخاباً شهد بنزاهته الأعداء قبل الأصدقاء.

إطلاق ” الانقلابيًين على ” الانقلاب العسكري” صفة ” ” ثورة” و” انقاذ” شكل أولى علامات  السعي لاحتكار السلطة وعدم التعلم من الدروس، و أكد ذلك  أن أي حزب أو جهة تحتكر السلطة وتدعي القدرة على ” الإنقاذ” سيكون مصيرها الفشل وتدمير الذات.

البشير اختارته ” الجبهة الإسلامية القومية” قائداً للانقلاب، في عملية تضليل للرأي العام السوداني والعر بي والدولي، للإيحاء بأن الجيش السوداني  نفذ الانقلاب، للتغطية على” هوية” الانقلابيين الجدد.

انطلى الأمر على أقرب الأقربين والجيران، انخدعوا بالقادمين الجدد على ظهور الدبابات، ولم ينتبه الرئيس المصري السابق حسني مبارك لخيوط المسألة تحت تأثير خدعة كبرى، فسًوق للانقلاب، تحت تأثير خلافاته مع رئيس الحكومة المنتخب الصادق المهدي ، ثم تعاملت  دول أخرى مع الأمر الواقع، وهناك من تحمًس و دعم الانقلابيين بقوة في مراحل مختلفة.

نظام البشير رغم  الاحتضان  الخارجي الذي وجده في أيامه الأولى، سرعان ما تدهورت علاقاته مع الجيران ودول العالم، لكن الأهم في هذا السياق أن النظام كشف مقدمات فشله من خلال    بيانه الأول الذي ألقاه ” رئيس مجلس قيادة الثورة” البشير، وحمل الخطاب السياسي بمضمونه الُمضلل  للشعب والآخرين بذور الفناء .

مقدمات الانتحار السياسي كثيرة، على سبيل المثال، طرد “الانقلابيًون” المئات من الضباط والعسكريين والقضاة والأطباء والمهندسين والموظفين وغيرهم من الاختصاصيين وأصحاب الخبرات من مواقع عملهم.

شردوا آلافاً من السودانيين،رجالا ونساء، أحالوا حياة الناس إلى جحيم، بعدما رموهم في الشارع، وجردهم من وظائفهم، لسبب واحد هو عدم  انتمائهم  لحزب  السلطة ( الجبهة الإسلامية المنشقة عن  جماعة الإخوان المسلمين) ، وكانت  قوائم   ما سمى بـ” الإحالة على الصالح العام ” أي ” الفصل التعسفي “من الوظيفة جاهزة، ونفذت على عجل، إذ أعدها الحزب ، الذي  وضع في صدارة أولوياته تنفيذ  سياسة ” التمكين” البغيضة المستمرة حتى الآن، وهي السياسة  التي  بدأ تنفيذها ” الإخوان” في مصر، وأودت بهم إلى الهلاك، مع ضعف الخبرة في إدارة الدولة.

بذور فناء النظام  الانقلابي في السودان، وبراهين عدم التعلم من دروس ومخاطر الاحتكار للسلطة، واستخدام أساليب التضليل والأكاذيب تضمنها بيان البشير الأول، هو خاطب الشعب باسم ” قواتكم المسلحة”،  وتحدث  مثلاً عن ” التدهور المريع الذي تعيشه البلاد في شتى أوجه الحياة” و” فشل الأحزاب السياسية في قيادة الأمة، لتحقيق أدنى تطلعاتها في الأرض والعيش الكريم والاستقرار السياسي”،  وأشار إلى ما سماه ” النعرات العنصرية والقبلية حتى حمل أبناء الوطن الواحد السلاح ضد اخوانهم في دارفور وجنوب كردفان، علاوة على ما يجري في الجنوب من مأساة وطنية وإنسانية”.

تكلم  البشير في بيانه الأول عن  قضايا  عدة  لتبرير انقلابه،  لعل من أهمها ما وصفه بـ” تدهور الوضع الاقتصادي بصورة مزرية” و “فشل” ما وصفه بـ” السياسات الرعناء في ايقاف هذا التدهور” و”استشراء الفساد” وأشار إلى من جرى “تشريدهم تحت مظلة الصالح العام، ما أدى الى انهيار الخدمة المدنية”، وعن السياسة الخارجية قال ” أصبح السودان  في عزلة تامة”، ودعا في ختام بيانه  إلى ” الالتفاف حول  الثورة ورايتها القومية ضد الفوضى والفساد واليأس من اجل انقاذ الوطن ومن أجل استمراره وطنا موحداً حراً”، ولم ينس البشير ومن نصبوه رئيساً  الكيد لرئيس الوزراء المنتخب( الصادق المهدي)، وقال البشير في خطابه الأول  إن “رئيس الوزراء ( الصادق المهدي لم يسمه ) أضاع وقت البلاد وبدد طاقاتها في كثرة الكلام “.

المقارنة – في ضوء خطاب يوم  الانقلاب –  بين أوضاع الأمس وحقائق الواقع المعاش اليوم، تحمل ادانة كبرى  للنظام الحاكم ، فهو لم يفشل فقط في  تنفيذ ما طرحه من مبررات مضللة  لانقلابه، بل ارتكب فظائع وجرائم وموبقات، كما سقطت  سقوطاً مدوياً شعارات الحزب السياسي الذي احتكر الكلام عن الإسلام (يسمون أنفسهم “الإسلاميين” و”الحركة الإسلامية” وكأن بقية المسلمين السودانيين لا علاقة لهم بالاسلام)، وظهرت على السطح أو في الخفاء عدد من القيادات والكوادر التي استباحت المال العام واساءت استخدام السلطة بأبشع الصور.

في صدارة الأكاذيب التي جاءت في بيان الانقلاب أن البشير الذي وضعه حزبه في مقدمة الصفوف إدًعى أن الاستيلاء على السلطة تم باسم ” القوات المسلحة السودانية”، والصحيح أنه حزب ” الجبهة الإسلامية” (الإخواني المنبع والتوجه) هو من نفذ الإنقلاب.

وبشأن الحديث عن  تدهور الوضع الاقتصادي، يكفي الإشارة إلى أن سعر  الدولار يساوي نحو 18 ألف جنية الآن ، وكان قبل الإنقلاب 12 جنيهاً ، كما اختفت شعارت ” نأكل مما نزرع ” و” نلبس مما نصنع”.

تكلم بيان الإنقلاب عن وحدة تراب الوطن، اليوم صار السودان بلدين  منفصلين،  بسبب السياسات التي تستحق فعلا أن توصف بأنها رعناء، أما العنصرية والقبلية فصارت سياسة رسمية حتى في التوظيف، إذ لم يكن أي سوداني  يُسأل  في العهود السابقة عن ” قبيلته ” كي يحصل على وظيفة، أما في عهد ” الإنقاذ”  فصار  الاحتكام إلى ” القبيلة”، لتصنيف الناس وتحديد أحقيًتهم، وأهليًتهم،وجدارتهم، في الحصول على الوظائف في بعض  المواقع المهمة.

أما رئيس الحكومة المنتخب، لم يجد الانقلابيون وقائد انقلابهم  شيئا  يسيء إليه ، لأن الرجل  بإجماع  السودانيين ( الخصوم والأصدقاء ) نظيف اليد، عفيف النفس و اللسان، ولو قارنا مستوى خطابات البشير برئيس الوزراء المنتخب الامام الصادق المهدي فلا وجه للمقارنة، لا في الفكر ولا الرؤية ولا مستوى الكلام ومضمونه، وحتى في كثرة الكلام فالبشير يتكلم يوميا حتى أرهق حباله الصوتية، ونصحه الأطباء باعطائها شيئا من الراحة، وهناك آخرون يتكلمون يوميا كلاماً مكرراً، وممجوجاً وسخيفاً أيضاً.

يكفي الاشارة  إلى” الشتائم”  التي  اشتهر بها  الرئيس، فهو يرمي من يخالفه الرأي  بتهم ( الخيانة والعمالة)، ولم ينس أميركا وفرنسا وبريطانيا، إذ قال في خطاب متداول إن هذه الدول ” تحت جزمتي”، وهناك آخرون في حكومته سخروا من الشعب، وأساءوا إليه، بعبارات ” سخيفة” لن أنشرها هنا، وهي  متداولة في أوساط السودانيين.

الحزب السياسي الذي نفذ الانقلاب كان يمثل تياراً سياسياً  فاعلاً وحيوياً ويضم شباباً ، نشطاً،  يملأ ساحات النقاش في الندوات والمنتديات، في ظل مناخ حر و شرعية دستورية تحميه في نظام  ديمقراطي،   يتيح لهم حرية العمل السياسي من دون حدود، لكنهم بالانقلاب ( وهم مسؤولون عن خطاياه)  ذبحوا تاريخهم، ولوثوا أياديهم بالدماء، وأشاعوا أجواء الفساد المالي والإداري أو سكتوا لسنوات عن مقارعة الفاسدين.

” الجبهة الإسلامية القومية” التي نفذت الانقلاب كانت تتمتع بعضوية البرلمان المنتخب،  كان حزب الأمة تصدر قائمة الفائزين، وشكل رئيسه الحكومة الأولى بعد الانتخابات، وحلً ” الاتحادي الديمقراطي” ثانياً ، فيما  فازت ” الجبهة القومية الإسلامية” بالمركز الثالث، وربما  إذا صبرت  واحترمت  قواعد العملية الديمقراطية  قد تفوز بالمزيد من المقاعد في دورة انتخابية مقبلة.

أي غباء سياسي هذا الذي يدفع قادة تنظيم سياسي عريق إلى الانقلاب على نظام ديمقراطي، يعطيهم حقوق العمل السياسي وفرص النمو والتنفس الطبيعي في مناخ  حر، وفي ظل قيم  تسامح سودانية، تحترم أصحاب التوجهات المختلفة، وتصون حقوقهم، بروح  تفاعل جُبل عليها السودانيون، وميزتهم.

كان السودانيون- باختلاف توجهاتهم-  يعتبرون ” الإخوان”  قبل انقلاب البشير ( الإخواني المنبت) ” جزءً أصيلاً من تشكيلة  وخريطة الواقع السياسي والاجتماعي في السودان، وكان العالم العربي كله  آنذاك يطارد ” الإخوان” ويزج بهم في السجون ويقمعهم بقسوة.

أليس انقلاب ” الإخوان” في السودان في مثل ذلك المناخ  الحر دليل  غباءً سياسي و انتحار سياسي أيضا ؟ أليس من الطبيعي أن تخاف  الدول كافة، في المنطقة العربية والاسلامية الآن، من سيطرة  ” الإخوان” على الحكم في أي بلد، وهم  أصحاب نظرية ” التمكين” و” النهج الإنقلابي”؟

الخائفون من ” الإخوان” في كل مكان عندما يتمعنون في خريطة الواقع في السودان ويتعمًقون في تفاصيلها، وينظرون مليًاً إلى مآسيها،  سيخلصون  حتماً إلى أن النظام  الانقلابي دمر السودان، سياسياً واقتصادياً واجتماعياً وثقافياً ، وتسبب في تمزيق الوطن إلى دولتين، وقتل  وشرد وعذًب وانتهك حقوقاً، ووضع اسم السودان للمرة الأولى في تاريخه على  قائمة الدول الراعية لـ” الإرهاب”.

أما  قرارات مجلس الأمن  بشأن السودان، التي أصدرها  بسبب ممارسات ” حكومة الإنقاذ”  فبلغ عددها  ( 63 ) ، معظمها تحت البند السابع، ومعلوم أن البند السابع يحدد ما تتخذه المنظمة الدولية في  حال  تعرض الأمن والسلم الدوليين  لتهديد أو وقع  عدوان على المدنيين، وكانت حطت قوات دولية على أرض السودان  للمرة الأولى، لحماية المدنيين في دارفور.

هذا معناه أن الجرائم بحق الناس والوطن تلاحق “الانقلابيين”، وفي ذكرى الانقلاب المشؤوم اليوم تطاردهم  لعنات الملايين من السودانيين، الذين أفقروهم وأذلوهم، واضطهدوهم وشردوهم في بقاع الأرض، وقتلوا أبناءهم وبناتهم وشيوخهم وقصفوهم بالطائرات  في دار فور والنيل الأزرق وجبال النوبة، كما تطارد اللعنات رئيساً مشؤوماً على قومه.

الملايين من السودانيين، لا حجاب أو ساتر بينهم ورب العالمين، نصير المظلومين، هذه الملايين ترفع اليوم وكل يوم، الأكف إلى السماء، تدعو على الطغاة، وتدعو الله العلي القدير أن ينتقم من الظالمين، وتطلب عونه،  ليُلهم شعبنا سبل النجاة، ويقوى خطاه على طريق الخلاص.

في ضوء تجارب شعب السودان، نقول ونكرر، إن ليل الديكتاتورية إلى زوال، اليوم أو غدا، لا مستقبل للظلم ، والطغيان، نحن في عصر الشعوب، عصر الحرية ،والعدالة، واحترام التعددية الدينية والثقافية والسياسية، والمحبة،  والتفاعل، والشفافية، والنور.

هذا معناه أن النظام الحاكم في السودان، مهما حاول اكتساب الشرعية، فسيبقى نتاج  ” تآمر” و” انقلاب”، و سيظل فاقداً  لـ” الشرعية” مهما تبدلت أساليبه، وتنوعت أساليب المكر والخداع، لا خيار أمام ” الانقلابيين” سوى احترام ارادة الشعب، والرضوخ لمتطلبات الحياة الديمقراطية الحرة، ومقتضيات العيش الكريم.

اذا فعل “الحاكم الفرد” ذلك أو لم يفعل، فان  السودانيين  طال الزمن أو قصر قادرون – في ضوء تجاربهم النضالية وخبرات اكتسبوها في مقارعة الطغاة وكيفيات اسقاطهم – على فتح أبواب المستقبل بارداتهم ووعيهم الخلاق ،  نحو بناء  نظام  ديمقراطي حقيقي، يتيح فرص المشاركة للجميع من دون استثناء.

هذا يعني أيضاً أن أمام “الانقلابيًين” فرصة لن تدوم، ولن تُعوًض اذا  أضاعوها، وبدًدوها، وواصلوا السير على طريق الطغيان، وهاهي ذكرى الانقلاب  تشكل  اليوم فرصة  أمام الرئيس البشير ، ليتأمل الواقع الحزين والمرير، الذي يعيشه الشعب السوداني بسبب سياساته، وهي فرصة أيضاً ليتأمل من تحالفوا مع النظام، من الجماعات والأفراد والدول أوضاع السودان الآن ، ليعرفوا كيف وقعوا في شباك نظام ظالم، وساهموا بوعي أو بدونه في ايقاع الأذى بالشعب السوداني.

ذكرى الانقلاب فرصة للرئيس لقراءة حقائق الواقع، الظاهرة للعيان، ليستفيد من الدروس ، بدلاً من دفن الرؤوس في الرمال، ليسارع  إلى عملية “الانقاذ الحقيقية والمطلوبة”، بالرجوع إلى الحق والصواب، وإيقاف الجًور، باحترام خيار الشعب، خيار المُواطنة، وهو خيار النظام الديمقراطي التعددي، الذي يحقق العدالة، ويصون الحريات، قبل أن تداهم القابضين على كراسي الحكم هبةُ الشعب الغاضب، وترمي بهم إلى المصير والمآلات المجهولة، والنهايات الحزينة، والأجل المحتوم، إلى حيث مصير الطُغاة ، في مَزابل التاريخ…

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*