دعوة للتغيير التدريجي

  • 03 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

انتهت ثورة أكتوبر وثورة أبريل إلى انقلابات وشمولية ،
عبود و النميري و البشير هم ليس انقلابات عسكرية صادرة من القوات المسلحة السودانية ، مثل ما حدث في مصر عبدالناصر او عراق الضباط الاحرار ، بل هي انقلابات نفذتها الأحزاب السياسية واستعانت فيها ببعض الضباط المغامرين لانجاز دور الختام . هذه الحقيقة مهمة لأن أصل الانقلابات هو الأحزاب الشمولية وليس الجيش لوحده ، القضاء على الانقلابات والشمولية يجب أن يستهدف أصلها في المقام الأول ، وهو الأحزاب السياسية الشمولية وعقلية المغامرة والقابلية للاستقطاب السياسي من قبل ضباط القوات المسلحة .

هذه الحقيقة اعلاه يصل إليها كل قاريء ومتابع للتاريخ السياسي السوداني ، ورغم ذلك لم تتم الاستفادة من دروس فشل الثورات السابقة ، والدليل أن الحكم الديمقراطي كان يتراجع عمرا ، بينما عمر الشموليات يزداد ، ديمقراطية اكتوبر استمرت خمس سنوات قبل انقلاب نميري ، ديمقراطية أبريل استمرت فقط أربع سنوات قبل انقلاب البشير ، نستنتج من هذا أن ديمقراطية ثورة ديسمبر قد لا تستمر أكثر من ثلاث سنوات اذا لم يتم معالجة الخلل . بالمقابل زاد حكم الشمولية صعودا بعد الثورات ، شمولية عبود حكمت ٦ سنوات ، شمولية النميري حكمت ١٦ سنة، شمولية البشير حكمت ٣٠ سنة ، نستنتج أن الشمولية القادمة ستستمر على الأرجح لقرن من الزمان اذا لم تتم معالجة جذور وأصل الشمولية داخل الأحزاب السياسية وداخل العقلية العسكرية في بعض ضباط القوات المسلحة .

الاستنتاج من تاريخنا السياسي الثوري والشمولي ، يقول ان التغيير الثوري لوحده فشل في استدامة حكم ديمقراطي ، و هذا بالضبط ما يقودنا للسؤال وما الحل ؟ الحل بالضرورة أن لا نجرب المجرب ، ان لا نطبق نفس الطريقة القديمة ، حكم انتقالي ثم انتخابات ثم مشاكل وأزمات ثم انقلاب ، بل يجب أن نفكر في أسلوب جديد ، وليس هناك أفضل من أسلوب التغيير التدريجي عبر آليات الثورة نفسها ، واستهداف اصل وسبب الشموليات بوضوح ، وأعني العقلية الشمولية لكثير من الأحزاب السياسية السودانية والعقلية الانقلابية في بعض ضباط الجيش .

نعاني من وجود احزاب فاقدة للديمقراطية ومجتمع ابوي غير ميال لتطبيق الديمقراطية داخل الأسر والأحياء والفرقان والقرى ، وقوات مسلحة لا يتورع كثير من ضباطها عن خيانة قسم القوات المسلحة والقيام بالانقلابات ، وهذا ما يقودنا إلى اعتماد المضي قدما في نفس الشوط التدريجي الذي مضت عليه معظم أوربا حتى وصلت إلى أحزاب كاملة الديمقراطية ومجتمع حاضن للديمقراطية أهلها لاستدامة الديمقراطية .

فترة انتقالية طويلة المدى تكون فيها السلطة بين الجيش والأحزاب ( كما يحدث الآن ) ، يستفاد من هذه الفترة الطويلة في بناء الاحزاب في جو بعيد عن ثقافة أبيض واسود ، حكومة و معارضة ، هلال مريخ ، قد يكون هو الحل . وهو حل له ما يشابهه في الهند قبل وبعد الاستقلال ، وفي تركيا إلى ما قبل سيادة حزب العدالة الراهنة ، وموجودة في الفكر الأفريقي الذي دعا إلى حلول تجنب الدولة الوطنية الأفريقية كارثة الانقلابات .

تسمية الفترة الانتقالية بانها فترة تغيير تدريجي يستهدف بناء الاحزاب وتطوير العقلية العسكرية ، قد تكون فيها صراحة كافية لمحاسبة الذات السياسية والعسكرية السودانية وتكفيرها عن أخطاءها التاريخية في الحكم والسياسة ، مما سيقود إلى مصالحة شاملة وتغيير متدرج يصل بالجميع الى دولة قومية ديمقراطية مستدامة .


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.