الخير على قدوم الواردين-والشر باق في نفوس المجرمين

  • 04 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

د عبد الله الصادق الماحي


الحمد لله على أفضاله وكرمه غير المحدود، والحمد والشكر له على جزيل نعمه وهو القائل (ولئن شكرتم لازيدنكم ولئن كفرتم إن عذابي لشديد)..

لعل المتابع لحال الوطن ومعاناة أهله في ظل التركة المثقلة لنظام الكيزان هذه الأيام يسمع ويرى الخيرات التي فجرها الله على أهل السودان ومنها الإنتاج الوفير للقمح في مشروع الجزيرة حتى بلغ إنتاج الفدان الواحد ٣٧ جوال قمح ولله الحمد، وهو غيض من فيض وافر قادم أن شاء الله في مقبل الايام، وامامنا موسم الخريف القادم والمتوقع أن يكون الإنتاج فيه وافرا أن شاء الله. وان دل ذلك إنما يدل على مباركة الله لأهل السودان في الأرزاق. فالحمد لله والشكر له على نعمه التي لا تحصى ولا تعد.

ومن أكثر الأشياء التي تثير الغضب والحيرة هذه الايام انتفاخ الكيزان هذه الأيام ومحاولاتهم استغلال قصور الحكومة الانتقالية المبرر في تلبية حاجات الناس للوقود وبعض السلع وغلاءها، وهذا أمر وارد في ظل الخراب والدمار والخزينة الخاوية التي تركوها بعد أن انتزع الله منهم السلطة انتزاعاً بإرادة الشعب. أراهم هذه الأيام يدفعون ببعض الجهلاء والأجراء ليتصارخوا هنا وهناك في بعض الميادين.

لعل الكيزان ظنوا اننا قد نسينا هروبهم المشهود عندما سمعوا هدير الشوارع ورؤوا الملايين تملأها حتى فاضت وهي تتقدم نحوهم. نذكركم يا أشباه الرجال انكم قد هربتم ووليتم الأدبار بعد أن حملتم معكم ما خف وزنه وغلي ثمنه وأخفيتم الكثير من الأموال والذهب والأسلحة.

هرب الكيزان وتركوا بيوتهم خواء وعزَّت عليهم أرواحهم، وتواضعت أمام أعينهم الأملاك التي طالما إكتنزوها تحت سطوة السلطة وقهر الشعب وحرمانه من أبسط حقوقه في الحياة. هربوا بلا هوادة ولا خجل يجرجرون أذناب الخيبة.

فزُّوا عديل وعرَّدوا الضحا الأعلى (كما يقول أهل السودان) وتصاعدت أصوات أنفاسهم حتى بات لهم شخير وتسارعت دقات قلوبهم التي بلغت الحلاقيم من الخوف، تلك الحلاقيم المتسعة من كثرة الأكاذيب على الناس ومن فرط البلع لكل ما لذ وطاب من خيرات اقتلعوها اقتلاع من أفواه اليتامى والثكالي وشبعوا وحدهم والجوع والمرض والجهل ينتشر في كل بقعة من أرض الوطن.

هرب القادة الكثيرون وابتلعتهم الأرض وتفرق شملهم. هربوا وتركوا المغفلين من جنودهم المجندة من كتائب الظل والموت والقتل، وتواروا عن الأنظار لينقذوا أرواحهم العزيزة، ونسوا اناشيدهم أ(لا لدنيا قد عملنا نحن للدين فداء ولترق منا الدماء). هربوا وتركوا كل الأمجاد والسلطات والجاه والمال الذي تمرغوا فيه لثلاثين عام ولم يقووا على مواجهة الشعب الذي طالما أذلوه وأذاقوه صنوف المذلة والعذاب والحرمان، وبشعوا بحرائره وفتكوا بشبابه تحت الأوهام والخدع الفارغة.

تلاشت كل الادعاءات والبطولات المفتراة وبهت كل من كان يملأ الفضاء بالأكاذيب. وعندما حصحص الحق وجاءت لحظة المواجهة وضاقت عليهم الأرض بما رحبت، لم يجد هؤلاء بداً الا الهروب أمام أعين نسائهم الكثر وأبنائهم المساكين وبناتهم المخدوعات، الذين ظهرت لهم حقائق آبائهم الظالمين الجبناء.

هربوا وكثير منهم سلم نفسه للمجلس العسكري منذ الصباح الباكر وكانوا لليالي طوال يراقبون بخوف الملايين الهادرة في الشوارع. هربوا وتركوا الوطن كومة من خراب بعد أن حطموا كل شئ ودمروا كل شئ وسرقوا كل شئ ولم يسلم منهم شجر ولا بشر ولا حتي حجر.

ثلاثون عام حسوما من الخراب والفساد والتدمير المقصود وغير المقصود والمدروس وغير المدروس، للأرض والأعراض والثروات ولهيئة وهيبة الإنسان السوداني ولمكانة الوطن العزيز بين الأمم. عاثوا في ارض الوطن فساداً ما سبقهم إليه أحد من العالمين، إذ لم يشهد التاريخ ان مجموعة بذات عدد الكيزان قد اتفقت كلها على شعبٍ في بقعة على البسيطة كما اجتمع نظام الكيزان المسمى زوراً وكذباً بالانقاذ على الشعب السوداني الطيب وعلى أرضه الطيبة المباركة، فاحالوا كل شئ فيها إلى خراب. واجبروا نصف شعبها على الهروب إلى خارج الحدود أو إلى معسكرات للجوء، بعد أن احتكروا كل ثروات الوطن عليهم وحدهم وحرموا منها كل الشعب. لم يشهد التاريخ البشري أن توافقت مجموعة مجرمة على استمرار الفساد والدمار والخراب لمدة  ثلاث عقود كما توافق الكيزان على شعب السودان.

خلاصة القول، لا أمل في وطن وفي أي نظام سياسي ينفتح للكيزان من جديد، بعد الذي عاثوه في أرض السودان الطاهرة من الفساد والإفساد والدمار. وإلا فإن الله سيأخذنا جميعاً بما فعل السفهاء فينا من الكيزان، إن فرطنا في الحرية والكرامة وهذا الوطن الغالي الحر، بعد أن إنتزعناه انتزاعاً بعون الله واردة كل الشعب من بين فكي المجرم. ولا مجال لأي استقرار في الوطن الآن وفي المستقبل، إذا انفتح في أي لحظة لاحقة مجدداً لهؤلاء المجرمين والكذابين بعد كل الذي عايشناهم في عهدهم من الحقد والخراب والدمار الشامل.

وان كان من مزيد فإن على القوى السياسية والقوى المدنية وقوى الكفاح المسلح والقوى النظامية، أن تتداعي إلى بعضها البعض، وتلتحم تحت منهج ثورة ديسمبر الذي حقق التغيير ووحد الجماهير واقنعها للاندفاع بالملايين إلى الشوارع وأقنع القوى النظامية بالانحياز لإرادة الثورة. منهج الثورة الناجح هذا قام على وحدة الإرادات ووحدة الأهداف المرحلية والتي اختصرها الشعار الخالد (حرية سلام وعدالة).

تحققت الحرية ومازال الشعب ينتظر تحقيق السلام الذي تأخر بسبب تلكؤ وتردد قوي الكفاح المسلحة في التجاوب مع إرادة الثورة والعودة إلى الوطن والعمل مع القوى الوطنية في الداخل. أما العدالة فإنها مازالت تنتظر عودة قوى الكفاح المسلح لاكتمال بنيان الدولة المدنية القائم على إعادة تأسيس المؤسسات القومية، واستقلال السلطات المختلفة قضائية وتنفيذية وتشريعية وسيادة، في إطار أهداف الثورة إلى أن تتحقق كلها وتترسخ أركان الدولة وتنكسر شوكة قوى الردة.

 لقد أرست ثورة ديسمبر مفاهيم جديدة تمثلت في الإخلاص في البذل وأعمال الجهد كله وإعلاء كل ما هو وطني وقومي على كل ما هو ذاتي وحزبي وفئوي، والمطلوب أن تعمل قوى الثورة مجتمعة على كتابة هذه القيم وعليدتوثيقها وتضمينها المواثيق والاتفاقات والبرامج في الدولة، وأن تصبح هذه القيم هي المنهج التي تحدد وتضبط سلامة خط المسير إلى أن تتحقق كل الأهداف المرفوعة..

ويجب أن تبقي القوى الثورية وتستمر في أداء دورها الوطني والثوري مجتمعة في هيئة جديدة يجب أن يتفق عليها لتبقى حارس امين على حماية الدولة وحراستها من كل أعداء النجاح أعداء الحرية والديمقراطية والاستقرار الوطني.

التعليقات مغلقة.