6 أبريل .. ذكرى الاعتصام وسقوط الطغيان وتحديات الانتقال

  • 13 أبريل 2020
  • لا توجد تعليقات

محـمد الأمين عبد النبي

(1)
السادس من ابريل 1985 كانت الشوارع تمور، كأنه مرجل يغلي، إذ انتظمت المظاهرات والمواكب هادرة، وهي تهتف بسقوط النظام.

فقد سبب حكم النميري تفاقم الانقسامات والتناحر الاجتماعي والتراجع الاقتصادي، ومصادرة الحريات، والتضييق على الحركة والتجربة السياسية المختلفة، فكانت ثورة أبريل المجيدة عام 1985.

صحيح أن الانتصار تحقق صبيحة 6 أبريل، لكن الانتفاضة الثورية مرّت بمحطات عديدة من النضال المتواصل ضد بطش نظام النميري في الجزيرة أبا وودنوباوي وغيرها من المجازر، أعلن الجيش انحيازه إلى الشارع ونهاية عهد النميري وكل نظام مايو، لتبدأ فترة انتقالية تم بنهايتها تنظيم الانتخابات وتسليم السلطة للمدنيين.

ما أشبه اليوم بالبارحة، فقد حقق الشعب السوداني من جديد بعد تراكم نضالي ثوري بدأ منذ استيلاء نظام الجبهة الإسلامية القومية على السلطة بانقلاب 30 يونيو 1989م، فكانت ثورة ديسمبر المجيدة، وإسقاط الطغيان في يوم مشهود 6 أبريل 2019 م، حيث انتظم الاعتصام أمام القيادة العامة، وانطلقت شعارات إسقاط النظام والحرية والسلام والعدالة، حتي عزل الطاغية بواسطة الجيش السوداني، لتبدأ مرحلة انتقالية عبر اتفاق قوى التغيير والمجلس العسكري في شراكة تنتهي بتسليم السلطة للمدنيين عبر انتخابات حرة ونزيهة.

من حسن المصادفات التزامن العبقري في النقطة الفاصلة والفارقة في 6 أبريل 1985 وفي 6 أبريل 2019م، وأن تكون السلمية هي كلمة السر والعبور، مما يعكس عظمة هذا الشعب الرائد، وهو يكرر المشاهد ويورث الأجيال إرادة وصمود ورفض الاستبداد وعشق الحرية، ليسطر بأحرف من نور في صفحات التاريخ أعظم إنجازات العقل السياسي المتمثل في التراكم الثوري وصولاً الي الاعتصام وإسقاط الطغيان.

من عاش ثورة ديسمبر المجيدة وأيام الاعتصام لن ينسى تلك الجموع التي غمرت الشوارع والميادين من أبناء وبنات الشعب السوداني التي تدفقت أفواجًا متلاحمة تُسمِع الطغيان هتافات الرحيل والسقوط والتحدي والآمل، تلك الأيام التي اهتز فيها عرش الطاغية شيعته، وزرفت فيها دموع نبيلة وذهقت فيها أرواح طاهرة وتدفقت دماء عزيزة.

(2)
بعد ما أطيح بالطاغية، لم تستمر حالة الترقب والانتظار كثيراً لاحت في الأفق أربعة سيناريوهات محتملة بعدة شواهد (استكمال الثورة، الثورة المضادة، عسكرة الثورة، اختطاف الثورة)، وبدأت هذه السيناريوهات في تسابق وصعود وهبوط، وتتقاطع وتتصارع في هيمنتها على السلطة الإنتقالية، هذه السيناريوهات هي:
أولاً: استكمال الثورة: هذا السيناريو وجد تأييداً واسعاً من جموع الشعب السوداني والمشفقين على الثورة السودانية، السيناريو قائم على دعم السلطة الانتقالية والشراكة بين قوى التغيير والمجلس العسكري وقطع الطريق أمام السيناريوهات الفوضوية، وتصفية النظام المباد، واستكمال ترتيبات الانتقال الديمقراطي خاصة السلام العادل وأوضاع النازحين والعدالة الانتقالية والدستور والانتخابات لتحقيق عبور تاريخي للسودان كنموذج لنجاح ثوراته في مواجهة الديكتاتوريات، تواجه عدة تحديات تهدد الشراكة القائمة خاصة التعثر في معالجة قضايا الاقتصاد والسلام والعدالة.

ثانياً: الثورة المضادة: هذا السيناريو يقوم على تقويض السلطة الانتقالية بالتخطيط للانقلاب، وتفعيل مفاتيح الدولة الخفية وتعطيل الحكومة وحشد الأزمات، وإعادة إنتاج النظام السابق بصيغ جديدة، وإعادة الثقة في مؤسسات الدولة الخفية، واستقطاب المال اللازم لوضع عراقيل الانتقال، واستغلال الجماعات الراديكالية للتشويش السياسي، والتشكيك في قوى التغيير، التحديات التي تواجه هذا السيناريو تتمثل في بداية إجراءات تصفية التمكين وعمليات العزل الواسعة، فرصه قائمة على الصراع بين المكونين المدني والعسكري.

ثالثاً: اختطاف الثورة: هذا السيناريو تتيناه قوى جزء من الثورة ويدعم بشكل أساسي من بعض منظمات دولية وحكومات إقليمية. يقوم هذا السيناريو على فرضية أن هناك فرصة قد لاحت في الأفق لإعادة إنتاج تمكين بديل وإمكانية الحكم من جديد بعد فشل الإسلامويين في ظل احتفاء المجتمع السوداني بالحريات الشخصية ورفض النموذج الإسلاموي للنظام المباد. وتسخير حماس الشباب في الشارع وتبني شعارات راديكالية لصيقة بحالة الغضب الشعبي. تحديات السيناريو تتمثل في النتائج العكسية التي نجمت من التوجه الراديكالي المنافـي لوجدان ومزاج السودانييـن، وانكشاف الغطاء الصارخ، والتمترس خلف لافتات عديدة، غياب السند الجماهيري الشعبي خاصة في الولايات ومناطق النزاعات. فرصه رغم ضآلتها الي أنها قوية خاصة مغامرات العسكر، والانتشار عبر لافتات عدة وامتلاك منصات تشويش للرأي العام.

رابعاً: عسكرة الثورة: هذا السيناريو تتبناه مجموعات متفرقة تعمل علي استغلال قوات الدعم السريع، والجيش، وجهاز الأمن، والشرطة، وحثها علي استلام السلطة، ويدعم من بعض الدول، وتدعمه حركات مسلحة وقوى سياسية وانتهازيين وعدد من الإدارة الإهلية وبعض المثقفين.. يقوم السيناريو على فرضية أن القوى السياسية غير جاهزة وليس مؤهلة لإدارة الدولة، وأن المنطق ان يحكم العسكر الي حين تسليم السلطة الي قوى منتخبة، وأن هناك مهددات أمنية في ظل السيولة السياسية وأهمية صناعة السلام كأولوية. هذا السيناريو انتصر مؤقتاً باستلامه للسلطة والاحتفاظ بها لوقت من الزمن.. تحديات هذا السيناريو تتمثل في الرفض الواسع لحكم العسكر والنظر إليه على أنه امتداد للنظام المباد، وعدم الاعتراف الدولي، وعدم وجود الغطاء السياسي، والوقوع في استقطاب المحاور الخارجية. فرصه تتمثل في عدم الاتفاق السياسي بين مكونات قوى التغيير، وجود مجموعات سياسية رافضة للشراكة المدنية العسكرية الحالية، والمهددات الأمنية والاقتصادية والسياسية.

(3)
كان الوعي عاملًا أساسياً في إرهاصات الثورة، وقد تحققت اشتراطات الثورة الموضوعية والذاتية بوحدة قوى التغيير والاصطفاف حول (إعلان الحرية والتغيير) في ملحمة سياسية شعبية هزمت آلة القمع والقهر، بالرغم من ضيق سجون النظام بالمعتقلين السياسيين الا أن قوى التغيير تماسكت وقادت الحراك الثوري حتي سقط النظام.

ومع ذلك تفاجأت قوى التغيير بالسقوط الداوي للنظام. فكان دورها المطلوب بناء هياكل السلطة الانتقالية، وللأسف في مرحلة لاحقة لم تستطع التواصل الجماهيري وظهرت الاجندة الحزبية الضيقة في المحاصصات، التي أصبحت وسيلة محورية في ضرب وحدة الثورة، وإعادة الجموع الثائرة إلى حظائر المكاتب المغلقة واللعبة السياسية والتجاذبات في ملفات الانتقال المتمثلة في تصفية النظام المباد والاقتصاد والسلام والعلاقات الخارجية والعدالة.

أثر ذلك في التراخي في فرض هيبة الدولة وملاحقة المجرمين والفاسدين وبناء مؤسسات السلطة الانتقالية لا سيما الولاة المدنيين والمجلس التشريعي، والبطء في قضايا الشراكة وتعثر الفترة الانتقالية لحجم التحديات، التي أولها تركة النظام المباد الثقيلة وتمدد الدولة الخفية والخراب الكبير في مؤسسات الدولة نتيجة سياسات الفساد التي انتهجها نظام البشير.. ومع كل ذلك فقد اتخذت السلطة الانتقالية قرارات ثورية مهمة للغاية لمصلحة عملية الانتقال، ولكن لم تخرج الثورة عن قواعد اللعبة القديمة، فلم تطور كثير من قوى التغيير عقليتها وخطابها ونهجها من المقاومة الي رحاب البناء وتحمل مسئولية الحكم وإعطاء عملية هدم أركان النظام من الجذور أولوية كأهم مطالب الشعب المشروعة بعد ثورة ضحى فيها الشباب!.

عامل الوعي الثوري كفيل بتصحيح مسار الانتقال واستكمال مقاصد الثورة، واستمرار النضال حتي الان هو أكبر محركات الثورة والمحافظة على مكتسباتها ومراقبة أداء الحكومة الانتقالية وتقويم المسيرة،، فليس أمام قوى الحرية والتغيير الا الانحياز لمطالب الجماهير وإجراء مراجعات أساسية بعد مرور عام من سقوط الطغيان واعتماد مصفوفة لمتبقي الفترة الانتقالية لإنجاز مهامها كاملة دون أي تمديد وتوحيد إرادتها وتحمل مسؤوليتها التاريخية في العبور الي الديمقراطية..

هناك عدة مبادرات لتصحيح المسار الانتقالي والرجوع الي إعلان الحرية والتغيير والإتفاق السياسي والوثيقة الدستورية نصاً وروحاً، هذه المبادرات تجد الدعم والمناصرة، فليس هناك خيار سوى المضي قدماً في تحقيق أهداف الثورة،، كما أن أي إتجاه لاستعادة النظام المباد بأي صيغة سيجد مقاومة شرسة من الشعب السوداني ليس لرفضه العودة للوراء فحسب، وإنما لا يرغب في التخلي عن الحرية التي انتزعها إنتزاعاً، فهي أساس المستقبل والأمل المنشود..

*

التعليقات مغلقة.