الإشكالات التي تواجه قيام النقابات المنتخبة

  • 07 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

عبر التاريخ ظلت الواجهات النقابية في السودان تعلب دورا محوريا في عملية النضال ضد الأنظمة الاوتوقراطية وفي التغيير الثوري ، وكانت دوما مصدر إلهام نضالي للشعب السوداني ومفجرة للثورات ، جبهة الهيئات في ثورة اكتوبر ١٩٦٤ ، التجمع النقابي في ثورة أبريل ١٩٨٥ ، ثم تجمع المهنيين في ثورة ديسمبر ٢٠١٨ .

الفترات الطويلة للحكم الشمولي ،غياب النقابات الحرة ، والنضال الطويل للشعب السوداني من أجل انتزاع الحقوق من الدكتاتوريات، جعل مفهوم النقابة قريب جدا من مفهوم الحزب السياسي، حول النقابة من منصة عمالية لرعاية حقوق العمال إلى منصة وطنية لرعاية حقوق الشعب ، وهذا أوجد خلالا في تعريف النقابة من علاقة بين موظف ومخدم، إلى علاقة بين ثوار وأنظمة .

تحول النقابة إلى مشروع سياسي نضالي ثوري مفهوم في ظل هيمنة الدولة الشمولية ، ولكن في ظل الدول الديمقراطية فهذا المشروع مضر بالديمقراطية ويخرج النقابة من كونها تجمع عمالي مهني ، إلى واجهة سياسية ، لا تستهدف بحراكها مطالب عمالية مهنية وإنما تستهدف التأثير على الحكم بغرض تغييره او إسقاطه ، وهذا ما يجعل الأحزاب السياسية تستهدف الهيمنة على النقابات حتى تستخدمها كروت ضغط سياسية على الحكومات ، وهو أحد الأسباب القوية التي أدت إلى هشاشة الديمقراطيات وسقوطها السريع في السودان .

الآن يتجدد الصراع على النقابات في ظل انتصار ثورة ديسمبر وفي ظل إقرار فترة انتقالية طويلة يمثل فيها تجمع المهنيين – وهو الواجهة الفعلية لنقابات السودان – في أجهزة الفترة الانتقالية الحاكمة ، بل يعتبر التجمع أقوى الكتل السياسية واكثرها تأثيرا وخاصة على الشارع . وجود التجمع ضمن التشكيلة الحاكمة وتمتعه بالحق في ترشيح وتعيين أجهزة الحكم ، والحق في المشاركة الفعلية في أجهزة الفترة الانتقالية وفي وضع سياساتها ، يخرج بالتجمع من مجرد واجهة نقابية محكومة بقانون النقابات ، إلى تجمع سياسي حاكم يتمتع بسلطة سياسية تتخطى بمراحل سلطات النقابة ، وهو إشكال تواجهه مرحلة البحث عن النقابات في الوضع الراهن، لتضمنه على حقيقة أن الصراع على النقابات الآن ليس صراعا على النقابة المهنية ، وإنما صراعا على تجمع المهنيين وعلى مقاعده في المجلس المركزي للحرية والتغيير وسلطاته التي يتمتع بها ككتلة معتبرة من كتل الحاضنة السياسية للثورة والحكومة الانتقالية .

يتعذر جدا في ظل هذه الإشكاليات أن نصف ما سيخرج عن انتخابات عمالية في ظل الفترة الانتقالية بالنقابة ، فهو وصف مخالف للعمل الذي تقوم به النقابة نفسها ، والتي ستجد نفسها في نفس الوقت هي النقابة وهي المخدم، فمن يطالب من ؟ ومن يحاسب من ؟

في ظل هذا الوضع المعيب اعتقد ان المخرج هو اما الاعتراف بتجمع المهنيين ككيان ثوري قائم بذاته يمثل جماهير الشعب السوداني جميعها ولا يمثل فقط أعضاء نقاباته ، وهذا الخيار يعني أن تتم الانتخابات النقابية ويتم تكوين النقابات بصفتها النقابية ولكن بدون ان تحل المكاتب التنفيذية المنتخبة محل المكاتب القديمة داخل تجمع المهنيين . اذا تعذر هذا الخيار فالخيار الثاني هو انتخاب لجان تسيرية للنقابات تقوم بمهام النقابات في الفترة الانتقالية لحين إجراء انتخابات في نهاية الفترة الانتقالية لاعتماد مكاتب تنفيذية منتخبة ، وهذا الخيار يتضمن ايضا استمرار تشكيلة تجمع المهنيين الراهنة كما هي عليه حتى نهاية الفترة الانتقالية .

إجراء انتخابات النقابات والزج بالمنتخبين الجدد في هذه الإشكاليات والتداخلات المانعة من تحقيق أهداف النقابة ، يمثل مجهولا قد يكون سهلا وسلسلا وقد يكون كارثيا لدرجة العصف بمؤسسات الحكومة الانتقالية وفتح الباب الثورة المضادة.


sondy25@gmail.com

التعليقات مغلقة.