أحوال

عن الكوليرا أيضاً

  • 09 يوليو 2017
  • لا توجد تعليقات

 عبد الرحمن زروق

وزير الصحة بولاية شمال كردفان عزا تزايد حالات الاسهالات المائية ( الكوليرا) إلى: انعدام مياه الشرب بعنابر العزل؛ لتجهيز ملح الإرواء، وأيضاً إلى افتقار مصادر ومحطات المياه لأجهزة تجريع الكلور، فضلاً عن عدم توافر وجبة المريض.

وتبدو ولايات السودان كأنها فوجئت بانتشار الكوليرا، بينما أسباب تفشي المرض لا تخفى على أحد، ويكتفي المسؤولون بالتأفف من أكوام النفايات المختلطة بمياه الأمطار، وما يتسرب من خطوط المياه المهترئة، ومظاهر أخرى كثيرة تحكي بقوة عن التدهور البيئي المريع الذي يؤدي تلقائياً إلى انتشار كافة أنواع الأمراض.

وبحسب تصريحات رسمية، فإن الوباء الذي تفشى في عدد من ولايات السودان، حصد أرواح أكثر من 270 شخصاً، وإصابة 16 ألفاً منذ أغسطس من العام الماضي، عندما بدأ في ولاية النيل الأزرق، وعاد في موجة أكثر ضراوة بولاية النيل الأبيض منذ أبريل الفائت، وهناك أنباء عن انتشار كارثي للمرض في قرى القضارف والأبيض، وتمدده في غرب دارفور. وقد كتبنا من قبل عن التلكؤ في إعلان الطوارئ من أجل وضع الجميع في الداخل والخارج في صورة حجم الكارثة.

وتظهر البلاد في كل عام من هذا الوقت في هذه الحالة المزرية، وتبدو وزارة الصحة كأنها فوجئت بما يحدث لتستنفر قدراتها، وهي تفعل ذلك تبدو كما لو أنها تتصرف بمسؤولية وعجلة، بينما كان ينبغي أن يكون كل ذلك في إطار العمل الروتيني اليومي الذي يستقصى مواطن الداء ويعمل على توفير الوقاية.

وفي ظل غياب البنيات الصحية الأساسية لا يمكن أن نتوقع غير تمدد مثل هذه الأمراض وانتشارها، خصوصاً أن الشأن الصحي وغيره من الأمور التي تهم المواطن تقع خارج دائرة أولويات الحكم، المنشغل تماماً بالخطب الرنانة عن (أهمية المرحلة المقبلة والاستعداد للوفاء بمتطلباتها)، كأنما قطعنا مراحل سابقة، وأحكمنا متطلباتها ومقتضياتها.

لقد رأينا كيف تنشط حكومات الولايات في شأن مثل الدورة المدرسية، وتستنفر كافة طاقاتها الرسمية والشعبية للوفاء باحتياجاتها، لكن هذه الحكومات تفشل في تقديم العزل المناسب لمرضى الإسهالات المائية، وتقول إن من أسباب انتشارها اختلاط الزوار بالمرضى، وإن الأفضل ايجاد مواقع بعيدة عن المدن لعزل المرضى، لكن ذلك لم يتوافر حتى الآن. فالدورات المدرسية كما هذه الإسهالات تحدث أيضاً بصورة سنوية، وبينما تحظى الدورات المدرسية باهتمام وسائل الإعلام الرسمية، لكننا لا نرى فيها أثراً لما يحدث الآن.

وفي الوقت ذاته تنشط منظمات المجتمع المدني وبعض الأحزاب ووسائل التواصل الاجتماعي، لكن جهودها غير مقدرة، وتواجه العراقيل، حيث اعتُقل ناشطان من حزب المؤتمر السوداني خلال ندوات توعوية عن المرض في أم درمان وفي غرب كردفان.

إن المرحلة الراهنة هي التي يعيشها الإنسان السوداني المحاصر بكل صنوف الأزمات، وليست الكوليرا إلا مفردة أخرى في هذا الكم الهائل من المشاق والمصاعب.

ويعبر كل ذلك عن فشل ماحق استحكم وتجذر في الممارسات الحكومية، فكيف يتحدث وزير الصحة في شمال كردفان عن “افتقار مصادر ومحطات المياه لأجهزة تجريع الكلور، وعن عدم توافر الوجبة المناسبة للمريض”، وكل هذه أشياء ضرورية ينبغي توافرها في إطار العمل اليومي لحكومته، في وقت كان ينبغي فيه أن تكون بلانا الأكثر خبرة في التعامل مع مثل هذه الكوارث التي تتكرر عاما بعد آخر.

إن انصراف الأولويات إلى مظاهر البذخ، وما يرتبط بها لا يجعل هناك مجالاً للتعامل مع الهموم الحقيقية للمواطن، وقد ثبت طوال سنوات هذا الحكم أن التردي في جميع المجالات هو العنوان الأبرز، وأن العقليات التي يجري إسناد الأمر إليها هي ذاتها القابعة في مناصبها منذ عدة سنوات عديدة وأنها تفتقر للمؤهلات والدوافع التي تجعلها تتعامل مع الشؤون اليومية دعك عن حالات الطوارئ والكوارث.

وسنظل دائماً في هذا الوضع المؤسف ما لم تتغير هذه العقليات، التي تدير شؤوننا، والتي تكتفي فقط بالسهر على مصالحها الخاصة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*