علاقة ” الفيفا” و أمل هباني  والعقوبات الأميركية

  • 11 يوليو 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد- رئيس تحرير صحيفة" التحرير" الالكترونية

شهدت الساحة السودانية حدثين مهمين، عشية اعلان الموقف الأميركي المقرر غدا الأربعاء (  12 يوليو 2017)، للبت في مسألة الرفع الكلي للعقوبات، التي فرضتها واشنطن على السودان، بسبب سياسات النظام الديكتاتوري، وبعد  مرور فترة  “اختبار”  مدتها  ستة اشهر، وكانت  تهدف  وفقاً لتأكيدات رسمية أميركية إلى ” تشجيع حكومة السودان على الحفاظ على جهودها المبذولة بشأن حقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب”.

الحدث الأول، الذي هز قطاعات شعبية وسياسية، تجسد في قرار الفيفا ( الاتحاد الدولي لكرة القدم ) بتجميد النشاط الرياضي السوداني، بسبب التدخلات الحكومية في شؤون الاتحاد السوداني لكرة القدم، أما  الحدث الذي صنعه النظام القمعي، وتحول إلى محاكمة وطنية تدين سياساته الرعناء، فيكمن في  محاكمة الصحافية أمل هباني رغم أنها أعلنت أنها  تعرضت للضرب من رجل أمن ، أثناء عملها.

القاسم المشترك بين أسباب فرض العقوبات الأميركية وقرار (الفيفا)، وقمع الصحافية أمل، يكمن  في أزمة الحريات المُستفحلة، وغياب المؤسسات  ذات  الصدقية والشفافية والاستقلال المهني، التي ترعي القيم الإنسانية العليا والعدالة والانصاف ولا تمارس  سياسة تحقير  وتهميش دور المواطن وتصادر  حقوقه في التعبير والعمل المؤسسي  الحر، كما هو الحال الآن في السودان ، منذ أكثر من ربع قرن.

إننا في صحيفة  “التحرير” الإلكترونية، ندين التدخلات الحكومية التي ضربت استقلالية مؤسسات كرة القدم وديمقراطية تكوينها وتمثيلها لجمهورها العريض، خصوصا أن  المؤسسات الرياضية في زمن الحرية والتعددية كانت  تقوم على الارادة الجماهيرية، والاختيار الشعبي لمن يقود المؤسسات الرياضية، ومن دون تدخلات حكومية فجًة، هذا يحدث في ظل نظام جثم على صدور الناس، بانقلاب عسكري ( 30 يونيو 1989)، وأدت سياساته المتهورة إلى تفاقم الأوضاع في كل مجال من مجالات الحياة.

في الوقت نفسه تحيي ” التحرير” الزميلة ،أمل هباني، الصحافية المهنية ، المنحازة لنبض شعبها وأهلها، وحقوقهم المشروعة في الحياة الحرة الديمقراطية والعيش الكريم. ليس مستغربا أن تكون أمل في صدارة  صفوف الصحافيين السودانيين القابضين على الجمر، والمدافعين عن حقوق المواطنة، والمعبرين عن ضمير المهنة والرافعين مشاعل الحرية والتنوير في وجه سياط الجلادين والطغاة باختلاف أشكالهم وأدوارهم.

ها هي أمل اختارت  وقررت بإرادة فولاذية لا تلين، أن تقضي ليلة ( 10 يوليو 2017) في السجن، قبل أن تسعى أسرتها و محبوها من كل ألوان الطيف الاجتماعي والسياسي السوداني، لدفع الغرامة التي رفضت دفعها كما قررتها محكمة، إن ليلة واحدة  قضتها ” أمل” في المحبس أدخلت الجلادين إلى المحبس الأكبر والأوسع، تلاحقهم اللعنات.

نرى أن  النظام  بيًت النية،ليذل” أمل” لكنها أذلته على مستوى العالم ، وفضحت ممارساته ضد الصحافيين، كما نرى أن رسالة الإذلال والاضطهاد ستتواصل لقمع من يرفع صوته أو قلمه، ويقول لا للطغيان، ونعم للحرية والعدالة، لكن العالم بات قرية صغيرة، والنظام رغم أنه يستخف بالمطالب الشعبية، ويمارس العنف ضد المواطنين،  فانه يخشى الدول الكبرى، ويركض خلفها، لتمُد جسور  التواصل معه ،كما يحدث الآن في سعيه لإرضاء أميركا ودول غربية.

قضيتا ” الفيفا” وأمل هباني جددتا التأكيد أيضا  على أن المساحيق التي ينثرها النظام على وجهه، من وقت لآخر، في محاولة لتجميل نهج القُبح ، الملطخ بدماء الأبرياء في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق سرعان ما تزيلها رياح الساحة السودانية الحُبلى، والزاخرة بمواقف رموز العمل الوطني الديمقراطي، وبينهم قادة في مجال الرياضة، وصحافيون وسياسيون من الجنسين .

صحيفة ” التحرير” الإلكترونية تحيًي في هذا السياق زملاء المهنة من الجنسين في السودان وخارجه ، ونخص بالتحية من يقولون لا للديكتاتورية، لا لقمع الصحافة والصحافيين، نعم للحرية ومناخ التنفس الطبيعي لكل الناس.

وفيما نؤكد دعمنا لأي جهد يهدف إلى  انتزاع  حرية  واستقلال العمل الرياضي والصحافي و القضاء الذي ينطلق من قوانين عادلة ، ندعو المنظمات الحقوقية الإقليمية و الدولية، والدول الديمقراطية، التي تحترم حرية الصحافة، وتصون قدسية القضاء المستقل العادل، ندعوها إلى إدانة  القمع الذي يتعرض له الصحافيون في السودان، والانسان السوداني بشكل عام، وأن تتخذ خطوات عملية ضد النظام الغاشم، ولا تسقط في امتحان” الحريات ” السوداني، لأنه امتحان يختبر مدى التزام الدول الديمقراطية في الغرب بقيم الحرية، وفي صدارتها الحريات الصحافية والسياسية.

نشير في هذا السياق إلى أن الصحافة السودانية تواجه منذ سنوات ظروفا صعبة، إذ تعرض عدد من الصحافيين والصحافيات داخل السودان إلى الاعتقال التعسفي، والسجن، و الغرامة،  إضافة إلى ممارسات قمعية متكررة ، بينها مصادرة صحف بعد الطباعة لتكبيدها خسائر مالية إمعانا في الطغيان، ومنع عدد من الصحافيين والكُتاب من الكتابة في الصحف، لأن كتاباتهم لا تعجب الحكومة.

السودان  شهد ما يسمى بـ” الرقابة القبلية ( فتح القاف وكسر اللام) أي فرض الرقابة الأمنية  على الصحف من جهاز الأمن والمخابرات، لمراجعة الاخبار والمقالات قبل السماح بالنشر ، كما جرى  فصل صحافيين،  ويُشار هنا إلى  أن  قرارات الفصل التعسفي شملت أعداداً كبيرة من السودانيين بعد انقلاب الرئيس عمر البشير على النظام الديمقراطي المنتخب.
في “السودان المهاجر” جرت مطاردات وعمليات قمع وتشريد لصحافيين وصحافيات في دول خليجية، وهناك  من تجاوب مع شكاوى النظام من الكلمة الحرة التي شكلت ديدن بعض الصحافيين  المهاجرين.

ندعو من تجاوب مع حملات قمع وتشريد شملت صحافيين سودانيين و أصحاب مواقف وطنية ورأي حر إلى عدم  التورط  مع النظام السوداني الظالم بتشريد  سودانيين يعملون  في دولهم، كما ندعوهم إلى مراجعة حساباتهم، لأن  ليل الظلام والطغيان  في السودان إلى زوال. هذه حقيقة من حقائق الواقع السوداني وتاريخ البلد ، الشعب السوداني سينتصر للحرية، اليوم أو غدا،  طال الزمن أو قصر.

نخلص إلى القول إن  معركة الحريات هي معركة ضد قوانين جائرة، وأشير في هذا السياق إلى “ورقة” قدمتها بطلب من مكتب الأمم المتحدة الخاص بالتدريب والتوثيق لحقوق الانسان لجنوب غرب آسيا والمنطقة العربية  في جلسة  علنية حضرها صحافيون  من عشر دول عربية في ” بيت الصحافة ” في مدينة طنجة المغربية في مايو 2015.

قلت إن “الحكومة السودانية تستخدم جهاز الأمن والمخابرات استخداما سلبيا وخاطئا، لقمع الصحافة والصحافيين في محاولة لكسر ارادتهم الحرة عبر ممارسات مختلفة الأشكال والأنواع، وبينها الاعتقال التعسفي” ودعوت إلى التضامن مع الصحافة السودانية، و قلت إن “ما تواجهه الصحافة السودانية حاليا من عقبات وقمع وتسلط  يعود الى  “قانون الأمن والمخابرات” الذي يتيح للجهاز اتخاذ اجراءات تعسفية  ضد الصحف والصحافيين والسياسيين”.

ورأيت أيضا أن ” المشكلة لا تكمن في وجود جهاز الأمن والمخابرات، لأن لكل دولة جهازا للأمن، ولكنها تكمن في النظام الحاكم وطريقة استخدامه جهاز الأمن والمخابرات الذي تحتاجه كل الدول والشعوب لحماية أمنها واستقرارها”.

أشرت في مؤتمر الأمم المتحدة في المغرب إلى أن قانون ” جهاز الأمن والمخابرات “يتناقض مع مبادئ الأمم المتحدة الواردة في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وهي معاهدة احترام الحقوق المدنية والسياسية للأفراد، بما في ذلك الحق في الحياة وحرية الدين وحرية التعبير وحرية التجمع والحقوق الانتخابية وحقوق إجراءات التقاضي السليمة والمحاكمة العادلة، كما نص العهد الدولي  على أنه لا يجوز إخضاع أحد للتعذيب ولا للمعاملة أو العقوبة القاسية أو اللاإنسانية أو الحاطة بالكرامة.

هذا كله يعني أن النظام الحاكم هو المسؤول الأول عن أجواء القمع، والفتك بالحرية، والبطش بالناس، وأن العلة  تظهر  في ” قوانين” ظالمة، كما يكمن  المرض أيضا في من يُفترض أنهم “ممثلو الشعب” في ( البرلمان) الذي يسيطر عليه النظام، الذي جعل من  العمل البرلماني أضحوكة وأداة لتمرير القوانين الباطشة..  وتحويل عدد  من المؤسسات المعنية بتحقيق الأمن والطمأنينة والسلام الاجتماعي إلى بؤر للظلم وساحة يرتع فيها الظًلمة.. “بالقانون”

 

 

 

 

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*