كلام عابر

أرواح برخص التراب

  • 15 يوليو 2017
  • لا توجد تعليقات

عبدالله علقم

تمر هذه الأيام الذكرى الحادية والأربعين على اجتياح الخرطوم من قبل قوات المعارضة المسلحة المعروفة باسم الجبهة الوطنية، التي كان قوامها الحزب الاتحادي الديمقراطي وحزب الأمة وجماعة الاخوان المسلمين، وذلك في إطار الصراع الدموي بين نظام جعفر نميري والمعارضة، وهو اجتياح ناجح فشل فيما بعد لإخفاق لوجستي وتنظيمي، حسب المكشوف عنه، ولأمور أخرى خلف الستار مسكوت عنها حتى اليوم.

وقد درجت الأجهزة الإعلامية المايوية بتسمية من قاموا بالحركة بالمرتزقة. في فجر الجمعة الثاني من يوليو 1976 اجتاحت قوات الجبهة الوطنية الخرطوم بقيادة محمد نور سعد في هجوم مباغت سيطرت خلاله على مفاصل العاصمة حتى اندحرت في اليوم الثالث، وبدأت عملية الاصطياد العشوائي للمهاجمين في كثير من المرات بناءً على السحنة فاختلط المشارك بالبرىء، وازهقت أرواح كثيرة في ظل تلك الفوضى.

ذهبت بعد صلاة جمعة الغزو لدار مولانا عوض عمر الإمام العامرة بذكر الله وقلوب المحبين فشاهدت أمام الدار الأستاذ ابراهيم السنوسي، الذي جاء مع القوات الغازية، وهو يسأل عمن يدله على فني لتشغيل الإذاعة، فتطوع أحد الحاضرين بمرافقته لمنزل فني قريب، ربما من باب الاحترام لإبراهيم السنوسي، فلم يجدا الفني في منزله فانصرف السنوسي، وكان ذلك سبباً فيما بعد باتهام ذلك الرجل (م.ع.ع.) بالمشاركة في الحركة، بعد أن وشى به أحد أولاد (الحلال)، ثم ظهرت صورته بالحجم الكبير على صفحات الصحف، وحكم عليه بالسجن سنوات طويلة، ثم أفرج عنه بعد فترة قصيرة.

واقعة بحث إبراهيم السنوسي عن فني لتشغيل الإذاعة بعد ساعات طويلة من السيطرة عليها تعكس حالة الفوضى والارتباك التي كانت عليها قوات المعارضة، وتنبيء بلا صعوبة بهزيمة قادمة لا محالة.

وبالقدر نفسه؛ فإن اعتقال ذلك الرجل، عليه رحمة الله ورضوانه، وتخصيص مساحة كبيرة لصورته في الصحيفتين اليوميتين( الصحافة والايام)، والحكم عليه بفترة سجن طويلة يعكس أيضا حالة التخبط والعشوائية في تحديد هوية المشاركين في الحركة.

جاء لمنزلنا في حي بانت، وكان مواجهاً لسلاح المهندسين، وحملت جدرانه تذكاراً من المعارك التي دارت تلك الأيام، جاء صديق عزيز وطلب إلي أن نذهب للاستفسار عن شقيقه الضابط في سلاح المهندسين أو الدفاع الجوي لا أذكر على وجه التحديد، فاسرعنا بالذهاب لداخل المنطقة العسكرية المجاورة، ودلنا أحد الجنود على وجهتنا، فوجدنا ضالتنا في حراسة عدد من المقبوض عليهم، وهم جلوس على الأرض تبدو عليهم علامات الإرهاق والوهن الواضح، ووجوه بعضهم منتفخة وتغطيها الكدمات.

كان مضيفنا مرهقاً هو الآخر. قال لنا: إن هؤلاء ألقي القبض عليهم لمشاركتهم في الغزو.

عندما استفسرت منه عن كيفية التمييز بين المذنب والبرىء، المشارك وغير المشارك، وكيف تصادف أن كل المقبوض عليهم من الغرب.. وهل للون البشرة والملامح دور في ذلك، أجاب بأنه لا يدري؛ لأنه لم يقبض عليهم، ولم يجىء بهم لذلك المكان. كل دوره أن يكون في حراستهم حتى يتم ترحليهم إلى منطقة أخرى رفض أن يكشف عنها. سألته: هل سيتم التحقيق معهم قبل تقديمهم للمحاكمة؟ ضحك من سذاجة سؤالي ورد عليه بقوله: الله أعلم. سألته: هل في إمكانه إطلاق سراحهم خصوصاً أنه لا يملك كشفاً بأسمائهم أو عددهم؟ أجاب بحزم: مستحيل، وإلا سأحل محلهم.

ألححت في الطلب: هل يمكن أن اصطحب في سيارتي واحداً أو اثنين منهم في غفلة من الأعين. في هذا الأثناء أبصرت شاباً منهم في نحو العشرين من العمر، يداه خاليتان من القيود، ويجلس منفرداً على بعد أمتار من الآخرين.

طلبت إليه أن يسمح لي باصطحابه في سيارتي الفولكسواجن التي تسهل إخفاء ملامح الجالس في كنبتها الخلفية. تلفت حوله وطلب إلي أن أسرع. وسرعان ما كان ثلاثتنا (صديقي والشاب العشريني وأنا) خارج سور السلك الشائك المحيط بالمنطقة العسكرية.

دخلنا ثلاثتنا إلى منزلنا (منزل عزابة).. تناول الشاب شيئاً من الأكل والشرب، وبعد دقائق طويلة استعاد توازنه، وشرح لنا في اقتضاب كيف قبض عليه، وهو في طريق عودته إلى منزل خاله في أحد أطراف أم درمان، ثم استأذننا في الذهاب إلى منزلهم الذي غاب عنه منذ أكثر من يوم بسبب القبض عليه. رفض شاكراً المبلغ المالي القليل الذي قدمناه له، وخرج.

من يدري فلربما كان مصيره سيكون مثل مصير من خلفناهم وراءنا في المنطقة العسكرية.. القتل الجماعي على الهوية.. سواء كان القتيل مشاركاً في الحركة أم لا.. فلم يكن هناك متسع من الوقت تلك الايام لترف التحري والتحقيق والمحاكمة.

khamma46@yahoo.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*