حمل تجربته إلى الإمارات فقدم العروض وأسهم في الورش والملتقيات

الريح عبد القادر.. رائحة المسرح السوداني الذكية

  • 17 أبريل 2017
  • لا توجد تعليقات

عصام أبو القاسم


قبل أيام من افتتاح مركزه الثقافي كان الممثل والمخرج السوداني الريح عبد القادر، الذي رحل نهاية الأسبوع الماضي، يبدو فرحاً بتحقيق حلم صغير من احلامه التي بدت دائما أكبر بكثير من الفسحة الضيقة التي تتيحها السلطات في بلاده للحراك الثقافي عموما والمسرحي على وجه الخصوص.
“مركز الريح عبد القادر الثقافي” هكذا أراده ان يحمل اسمه؛ كما قصد ان يجعله مفتوحاً في ندواته ولقاءاته على الرواية والقصة والمسرح، وان يخص تجارب الشباب تحديداً؛ فهم “بلا منابر في الوقت الراهن” بخاصة أولئك الذين لم ينتموا إلى حزب المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم.
كنا نراه يتجول في أرجاء “المسرح القومي” في أمدرمان، وهو يرّوج لمنبره الجديد وينادي على الجميع المشاركة في تنشيط أمسياته، ساخرا ومتهكمًا مما يُقدم من أنشطة، على قلته.
كان منهمكاً في الوقت ذاته بملاحقة الاجراءات الإدارية الخاصة بتشييد المركز، ساخطاً من تعثرات هنا وهناك، ومن طول المشاوير التي كان يقطعها بعربته “الاوتوس” الصغيرة الحمراء، ومن أداء موظفي المؤسسة الفلانية والوزارة العلانية! وفي اليوم الخامس من الشهر الثاني السنة الماضية وصل عبد القادر بعزمه إلى نهايته ونجح في افتتاح مركزه الثقافي بمدينة الثورة في محافظة امدرمان بحضور وزير الثقافة وعدد كبير من المسرحيين والمهتمين.
لقد حرص الراحل على حضور وزير الثقافة على رغم أنه أنفق من ماله الخاص لانشاء المركز ولم يجد أي دعم من اية وزارة، وبدعوته الوزير كأنه قصد ان يفتح سكة ما لمركزه باتجاه الوزارة، ففي نهاية الأمر ليس للمركز أية عوائد ربحية فهو متاح للعمل الثقافي العام ويلزمه حتى يستمر ان تهتم لشأنه جهة رسمية مثل وزارة الثقافة!؟

فرحة ناقصة
لكن فرحة عبد القادر لم تكتمل فلقد بدأ يشعر، في يوم افتتاح مركزه، ان صحته معلولة. وفي اليوم التالي بدأ رحلة عكسية: من مشفى إلى آخر، بين الخرطوم والقاهرة، إلى ان انتهى لرقدة طويلة في الفراش استمرت أكثر من عامين؛ ليرحل نهار الاربعاء السادس من يونيو 2012.
اكمل عبد القادر مراحله الدراسية الأولى بمعهد امدرمان العلمي، أواخر الستينات، وهنا، حيث التركيز على علوم الدين والفقه الاسلامي، شُغف الراحل بالمسرح، للمرة الأولى في حياته، وقد شارك في تمثيل عدد من المسرحيات من بينها مسرحية “عمر بن الخطاب” ومسرحية أخرى بعنوان “رجعة ست البيت” حيث أدى فيها دورا نسائيا، إذ لم يكن مقبولاً ان تشارك المرأة في المسرح وقتذاك. لكن طلاب المعهد وبعض المتشددين لم يتقبلوا ذلك فرموه بالكفر مثلما رموا قبله الشاعر السوداني الراحل التجاني يوسف بشير (1910 ـ 1937) بالإلحاد فدفع الأخير أكاذيبهم بقصيدته الرائعة “المعهد العلمي”. وبعد إكماله سنوات المعهد العلمي تابع الراحل الريح عبد القادر انجذابه إلى المسرح وانتسب لأول دفعة بالمعهد العالي للموسيقى والمسرح والفنون الشعبية (تأسس 1969) ومن بين 95 طالباً تقدموا للانتساب إلى تلك الدفعة نجح 13 طالباً فقط في الحصول على شهادة التخرج من بينهم الراحل الريح عبد القادر.
تعتبر تلك الدفعة الأولى هي الركيزة التي نهضت عليها حركة المسرح السوداني الحديث، بخاصة ان بعض طلابها تم قبوله في وظيفة “معيد” في المعهد ذاته؛ وبالتالي زاد عدد المسرحيين المؤهلين علمياً وسرعان ما انعكس ذلك على نوعية الحراك المسرحي في الخرطوم.
كانت وزارة الثقافة اطلقت في العام 1967 برنامج “الموسم المسرحي” ـ بعضهم يطلق عليه موسم مسرح المحترفين ـ ومع تخرج أول دفعة في المعهد المسرحي تطورت العروض المقدمة في إطار الموسم تطوراً ملحوظاً وانفتح المخرج السوداني في اختياراته النصية على المكتبة المسرحية العربية والغربية كما راح يختبر ما قرأه عن مناهج الاخراج والتمثيل والسينوغرافيا.. إلخ.
في تلك الفترة، برز الراحل الريح عبد القادر كممثل أولاً حيث شارك في مسرحية “المك نمر” للمؤلف إبراهيم العبادي، وهي مسرحية كلاسيكية كتبت في عشرينيات القرن الماضي وأعاد إنتاجها المسرح القومي في الستينات لتكون في فاتحة الموسم المسرحي لاعتبارات تاريخية وقد أخرجها الرائد الفكي عبد الرحمن، مهندس النشاط المسرحي وقتذاك. تابع الراحل عبد القادر ظهوره كممثل في الموسم المسرحي التالي 1968 حيث أدى دور “الاسكافي” في مسرحية “السلطان الحائر” للكاتب المصري توفيق الحكيم من إخراج عوض محمد عوض. كان للراحل انشغالاته بالاذاعة والتلفزيون إلى جانب المسرح في الوقت عينه، وبحسب شهادات رفاقه فلقد تميز بقدرته التمثيلية العالية في المجالات الثلاثة، وهو قدير بصفة خاصة في الاداء الصوتي كما ان له طاقته التعبيرية العالية حين يستخدم اشاراته وايماءاته وحركات يديه.
اما أول تجربة إخراجية له فقد كانت مع مسرحية “النار والزيتون” لألفريد فرج التي اخرجها 1974 متوسطاً بذلك سلسلة من المسرحيات الداعمة للقضية الفلسطينية عرضها المسرح القومي السوداني، من ابرزها “حفلة سمر لأجل 5 حزيران” لسعد الله ونوس التي كان أخرجها على عبد القيوم في موسم 1969 ـ 1970، و”سقوط بارليف” للكاتب الفلسطيني هارون هاشم التي أخرجها عمر الخضر في إطار مهرجان الثقافة الأول 1976، ومسرحية “القنبلة” للسوري رياض عصمت التي اخرجها محمد عبد الرحيم قرني في فترة لاحقة.
في الموسم التالي 1975 ـ 1976 اتخذ الراحل عبد القادر وجهة مغايرة كليةً فلقد اختار ان يقدم المسرحية الرومانسية الشائعة “تاجوج” معتمداً النسخة التي اعدها محمد سليمان سابو. “تاجوج” هي قصة غرامية شهيرة عرفتها منطقة شرق السودان وتحكي قصة شاعر يدعى المحلق فتن بجمال الفتاة “تاجوج” وسهر على حبه لها بالشعر والحمى إلى ان تزوجها ففتح بذلك على نفسه طاقة واسعة من الغيرة والحسد قلبت حياته رأسا على عقب، إلى ان قُتل فداءً لمحبوبته.

بوابة.. وخروج
التجربة الإخراجية الثالثة التي خاضها مخرج “النار والزيتون” كانت في العام 1976، اما المسرحية فهي بعنوان “بوابة حمد النيل” للكاتب يحيى العوض، واستلهمها العوض من كتاب “الطبقات.. في خصوص الأولياء والصالحين والعلماء والشعراء في السودان”، ويمثل هذا الكتاب الذي ألفه الشيخ محمد النور بن ضيف الله، أول مدون معروف في السودان وقد شكل مصدراً مهماً لكثير من المبدعين لا سيما في فترة الستينيات حيث كان سؤال الهوية الثقافية (بين الافريقية والعروبية) يسد الأفق الثقافي السودان، فالكتاب يحكي سيّر الاوائل الممزوجة بروح العروبة ودم الزنوجة.
وبعد عرضها الأول واجهت المسرحية اعتراضاً من البعض فلقد صُنفت كمسرحية معادية لنظام الجنرال جعفر النميري (فترة حكمه 1969 ـ 1985) وأُخضع الراحل لمساءلات وملاحقات عدة، ولكنه تمكن من الفرار بفكره المسرحي إلى دولة الإمارات 1977 حيث سيجد المجال رحباً وواعداً.. يبني بداياته.
وفي الإمارات تنقل الراحل بين ابوظبي ودبي والشارقة، وفي الأخيرة شارك المخرج التونسي منصف السويسي إخراج مسرحية “دوائر الخرس” في ختام الورشة المسرحية التي نظمتها وزارة الاعلام 1982 واستمرت لنصف عام، وضمت سائر نجوم المسرح الإماراتي في الوقت الراهن. وقبل ذلك كان الراحل عمل بمسرح دبي الشعبي حيث قدم كمخرج مسرحية “ناس وناس” من تأليف توفيق الحكيم 1979، وللكاتب ذاته اخرج في 1982 مسرحية “قاضي موديل 80”، كما اخرج لمسرح كلباء مسرحية “آه يا دنيا” في الفترة ذاتها.
كما شارك بالإشراف على العديد من الورش التدريبية في سائر امارات الدولة وعمل بعدد من المؤسسات قبل ان يعود إلى بلده.

جفاف وصمود
في 1988 عاد الراحل إلى الخرطوم، وبعد مرور عام واحد على عودته حدث انقلاب يونيو 1989، وخلال فترة وجيزة من ذلك التاريخ الانقلابي تدهورت الساحة المسرحية السودانية تدهورا ملحوظاً، ولئن كان النصف الثاني من الثمانينات شهد موجة واسعة من العروض المسرحية التجارية الفجة المسماة “المسرحيات الكوميدية”، فان أواخر الثمانينات شهدت توقفاً تاماً للمسرح، فلقد جمدت الحكومة الانقلابية نشاط المسرح القومي، ومضت في خطوتها أكثر واغلقت المعهد العالي للموسيقى والمسرح لسنوات، وعملت بحماس في تجفيف منابع المعرفة والثقافة إذ اوقفت سائر المنابر الثقافية ومنعت دخول الكتب والمجلات الثقافية وادخلت البلاد في عزلة لم تشهدها قط، وبالتالي هاجرت أكثريّة من المسرحيين السودانيين إلى أوروبا ودول الخليج هرباً من عسف السلطات أو سعياً للرزق، والقلة التي بقيت من مسرحيي الخرطوم انكفأت على نفسها في انتظار الفرج، واستمر الحال ماضياً من سيئ إلى أسوأ وصولاً إلى مطلع الألفية حيث بدأت التحولات في بنية النظام السياسي تنعكس إيجابا علي الساحة الثقافية عامة والمسرحية على وجه الخصوص، وبدا المسرح يقترح مناسباته الجديدة مثل “مهرجان البقعة” الذي سيستمر طويلاً وإلى جانبه بعض الانشطة المسرحية الطارئة والمستعجلة والمناسباتية كالندوات والعروض التجريبية.. إلخ.
بالتأكيد لم يكن الراحل الريح عبد القادر ينتظر ذلك وهو الذي خرج من البلاد حين كانت انوار المسرح مضاءة طيلة أيام الاسبوع والجمهور يزاحم على الأبواب حرصاً على حضور المسرحية، أما الآن “فالواحد يمشي المسرح كأنه منقاد من أنفه بجنزير..”، كما قال في حوار صحفي معه.
لسنوات بقي الراحل يغالب الأوضاع السيئة ويحاول تقديم بعض العروض هنا وهناك، ولكنه لم يكن يجد تمويلا فيتوقف عن المسرح وينتقل إلى الاذاعة والتلفزيون، وفي كل حال لا يكف عن انتقاد الحكومة التي لا تكترث للفعل الثقافي؛ متى ما وجد سانحة لذلك حتى باتت الاجهزة الاعلامية الرسمية تتفادى دعوته؛ ولكنه كان يحضر عبر الحوارات الصحافية لاذعاً ومباشراً في نقده بخاصة للمسؤولين من إدارة المؤسسات الثقافية والمسرحية.
في العام 1990 نجح في السفر إلى مهرجان المسرح العربي الثاني في بغداد وقدم مسرحية من تأليفه وإخراجه بعنوان “لا للموت نعم للحياة”، وبعد ست سنوات أخرج مسرحية “انتصار الأبيض” للكاتب محمد شريف علي ولم يتمكن ثانية من إخراج أي عمل إلا في إطار برنامج الخرطوم عاصمة للثقافة العربية 2005 حيث اعاد تقديم المسرحية الأخيرة، وبعد ثلاث سنوات وتضامنا مع أهالي غزة أنجز عملاً مسرحياً خطابياً بعنوان “الأرض”، ومن ثم انشغل بتأسيس مركزه الثقافي. وقبل ان يرحل لم ينس ان يقول في آخر حوار صحافي: “مثلي لا يكرم لأن انتمائي ليس إسلامياً بينما أنا مسلم أكثر منهم مع الأخذ في الاعتبار أن هنالك أناسا يكرمون في العام الواحد لأكثر من مرة”.
لقد تألم الراحل وهو يشهد انفصال الجنوب، كما تألم من حرب العراق، وعذابات الفلسطينيين، واراد لمسرحه ان يكون وسيطاً ينقل صوته الوحدوي والسلمي إلى العالم.

الاتحاد الظبيانية
14/7/2012م

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*