إلى جميع أطراف الهبوط الناعم،… لا عاصم لأحد من الثورة فسيروا في طريقها

  • 21 يناير 2021
  • لا توجد تعليقات

عبد القادر محمد أحمد

هذا مقال صريح لا يهدف للتجريح، لكنه يدعو إلى كلمة سواء، فلم يعد سرا أن ما يحدث من فشل وإفشال واضطراب في المشهد العام، وتضييق متعمد على الناس في معاشهم ومجمل حياتهم، نتيجة للنية المبيتة والمحاولات المتكررة للإجهاز على الثورة ومكتسباتها بواسطة المكون العسكري السيادي ومن شايعه، تحت رعاية وتخطيط خارجي مكشوف.
لقد فجر الشعب السوداني ثورة ديسمبر المجيدة وهي تحمل في جيناتها حصانة ذاتية ضد الانقلابات العسكرية، قوامها رفض مطلق للأنظمة العسكرية والشمولية، ووعي وإيمان راسخ بالدولة المدنية الديمقراطية، واستعداد للدفاع عنها مهما كان حجم التآمر ومهما كانت التضحيات.

ورغم أن شركاء التآمر (المكون الأجنبي والمكون المحلي) يدركون هذه الحقيقة، لكنهم يسعون سعيا محموما لإحداث إنقلاب بطريقة غير تقليدية، بإتباع نظرية فاسدة تسمى الهبوط الناعم، وهي نظرية في نتيجتها وفي ذاتها محكوم عليها بالفشل الحتمي، وهذه حقيقة يدركها كل صاحب بصيرة، فما دام الشعب قد نبذ الحكم الشمولي بكافة أشكاله ومبرراته، فلا معنى لمحاولات إبتداع وسائل للوصول لذات الحكم المرفوض سلفا.

ولا يتوقف فساد نظرية الهبوط الناعم كونها تؤدي إلى نتيجة مرفوضة، لكنها في ذاتها تزيد من كراهية الشعب للنظام الشمولي ومنسوبيه، عسكرا كانوا أو مدنيين، أفرادا كانوا أو كيانات، وذلك لأنها تقوم على الإستعانة بوسائل غير كريمة في حق المكون المحلي.
فإستعانته بالمكون الأجنبي، أو في الواقع الخضوع له، يعد عمالة وخيانة وطنية في حقه، وهذه مذمة لا نرضاها له لأنها ليست من شيم أهل السودان!!

ولا شك أن المكون الأجنبي بتدخلاته الصريحة والخفية لا يريد خيرا للسودان وشعبه، فكيف يسمح المكون المحلي لنفسه بالتعاون معه !! والمعلوم أن المكون الأجنبي لا يتجرأ في محاولة استغلال المكون المحلي إلا بعلمه بنقاط ضعف موجودة في الأخير، وهذا ما حدث للرئيس البشير الذي ارتكب جرائم في حق شعبه فارتمى في أحضان بعض الدول طلبا للحماية، وهي لا تملك له نفعا، فقامت باستغلاله فيما يحقق مصالحها، ولما تأكد لها أنه أصبح منبوذا وسط شعبه وأن أيامه قد دنت، تخلو عنه وأصبحوا يرسلون أطفالهم لاستقباله ومؤانسته، فكانت النتيجة أنه فقد احترامه أمام شعبه وأمام من تآمر معهم ضد شعبه. فكيف نعيد سيرة خائبة ماثلة أمامنا!!!

كذلك فإن تعمد خلق الأزمات والإنفلات الأمني وتجويع الناس لهو سلوك لا ينتهجه إلا من جبل على القسوة وانعدام الضمير، ثم إنه سعي لتحقيق المستحيل، فلا يمكن تحويل ذات الثوار الذين صنعوا الثورة بالدماء والدموع ونادوا بالمدنية والحرية والعدالة والسلام، إلى أبواق تهتف للشمولية والعسكرية!
لا أدري بأي لسان يتحدث سعادة الجنرال البرهان عن الفشل وهم صانعوه !! من الذي يقف في طريق الإقتصاد بالسيطرة على الشركات والمتاجرة في ثروات البلاد في باطن الأرض وظاهرها؟ من المسؤول عن الانفلات الأمني بالاحتفاظ بكوادر النظام المباد داخل الجيش والشرطة والأمن؟ والتسويف في إعادة المفصولين؟ من المسؤول عن بقاء كوادر النظام المباد في مختلف المواقع المدنية القيادية، ليصنعوا الفشل والاحباط؟ من المسؤول عن فشل النيابة العامة والقضاء في القيام بدورهما في تحقيق العدالة؟ من المسؤول عن تكبيل استقلالهما والتدخل في شؤونهما، بما أدى للقعود عن الواجبات ووقوع التجاوزات التي أفقدتهما المصداقية ؟؟ من الذي يقف في طريق تحقيق أهم أهداف المرحلة الإنتقالية، المتمثلة في الإصلاح العدلي؟ ليكون نتيجة ذلك أن حال القضاء اليوم لا يقل سوءا عما كان عليه في ظل النظام المباد؟

فهو لا زال يدار بواسطة الدولة العميقة (قضاة وموظفين وعمال)، التي تعمل ليلا ونهارا على إفشال دوره والابقاء على أوضاعه؟

والمؤسف المؤلم أن القضائية لا زالت تجنب يوميا، في حساب خاص لا يخضع للمراجعة، من المال العام ما بلغ الملايين من العملات الأجنبية، وتتصرف فيه كما تشاء ؟ وتستمر ذات المفاهيم التي تجعل القضائية تجاهر بشراء أكثر من مائتي سيارة جديدة، دون عطاء ودون ضوابط!! لا أتحدث عن حق القاضي في السيارة، لكني أتحدث عن حق المواطن في قاضي محترم يقود سيارة محترمة تم توفيرها له بإجراءات بعيدة عن الشبهات، بما يجعله قادرا على القيام بدوره في محاكمة قضايا التجنيب وخيانة الأمانة وتبديد المال العام.
ما لم ينصلح حال العدالة وأجهزتها، فلن تخطو بلادنا خطوة للأمام. ولكي ينصلح حال السلطة القضائية، لا بد من إجتثاث الذين يعملون من داخلها على تحطيمها وتلويث سمعتها، ليبقوها عاجزة عن القيام بدورها!!

من المسؤول عن تعقيدات الوصول لسلام عادل وشامل ومستدام، بالاستيلاء على ملف السلام وعقد اتفاقية جوبا، التي تقول كل الشواهد أنها قاصرة ومشلولة، نتيجة خلط الخاص بالعام؟

وبعيدا عن الرأي في الاتفاقية، كان العشم أن يمثل قادة الحركات الموقعة صوت الحكمة وصواب الرأي، لعبور المرحلة الإنتقالية بسلام، بعد إخفاقات من يتصدرون المشهد، ويا لخيبة أملنا، حتى الآن لم نر شيئا من ذلك، بل ظللنا نسمع تصريحات للسيد مناوي تتسم بعدم التواضع والانفعال والتهديد.!! ليدعم بذلك الرأي الذي يقول أن إتفاقية السلام في حقيقتها تحالف عسكري في مواجهة الثورة والدولة المدنية !!
ختاما،،

فهذا قليل من كثير، ورغم إدراك الناس للصعوبات والتعقيدات التي تواجه المكون العسكري مع الثورة، إلا أنها لا تبرر وقوفه ضد الشعب وثورته، فالمأمول هو أن يسير في طريق تحقيق أهداف الثورة ومطلوباتها، ليس وفاء لإلتزام في الوثيقة الدستورية فحسب، لكن تقيدا بمطلوبات الوطنية الحقة والمواطنة الصالحة، وخصال الجندية التي تمثل مدرسة الوطنية والشرف والعزة والكرامة.

لذلك فإننا نربأ بالمكون العسكري وبقية أطراف المكون المحلي، مسايرة ومساعدة الدول التي لا تريد خيرا لوطنهم وشعبهم، فذلك يهدر كبرياء وكرامة الوطن والمواطن، ومهما كان حجم التعقيدات والقطيعة التي فاقمتها مجزرة الإعتصام، فإنه لا مفر من الشعب إلا إليه، وهو حينها قادر على السمو فوق جراحاته، لكي يمضي بالوطن للأمام.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*