حتى لا ننساهم. . .وهم في علاهم

لوحات داميات. . في أيام نحسات (3 من 7)

  • 03 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

عبدالرسول النور

وقفت الشاحنات التي تحملنا أمام عنبر مهجور، في الزاوية الغربية لسلاح المهندسين بأم درمان. كان الليل قد أرخى سدوله علينا بهموم تنوء عن حملها راسيات الجبال.. نزلنا تنفيذاً للأوامر الصارمة.. بأن أنزلوا.. كانت خطانا متثاقلة.. وقلوبنا وجلة تتسارع نبضاتها وخفقانها.. وسط ظلام الصمت وصمت الظلام.. تلمست المجموعة طريقها داخل العنبر الكئيب الموحش كأنهم يساقون إلى الموت وهم ينظرون.. شاخصة أبصارهم ترهقهم ذلة. . لقد كان العنبر واسعاً بحيث توزعت المجموعة على ارجائه.. وكان عددهم 25 متهماً. .

لقد كانت ليلة ليلاء، طال اصباحها.. وما الاصباح منها بأمثل!!  ولكن وقوع البلاء ولا انتظاره.. كما يقول المثل…هرب النوم من أجفاننا.. هرب الأمن من فؤاد الجبان!!بالرغم مما نبديه من صبر وجلد وتماسك وثبات. .
غمرتنا سعادة خفية وطمأنينة ظاهرة ونحن في حلقة الراتب في أول صباح لنا في ذاك العنبر.. كان قارئ “الراتب” الأول.. الصغرى هو الشهيد ابراهيم أحمد عمر أبوالجدى.. القائد الإداري للانتفاضة.. وهو ضابط إداري عظيم برتبة مساعد محافظ.. وقرأ الراتب الكبرى شقيقه الأكبر سليمان.. كان راتب الإمام يملأ نفوسنا إيمانا وتسليما.. وراحة وصبرا.. وكانت تلاوة الشقيقين ندية عطرة.

كانت المجموعة كلها في حلقة الراتب.. ثم بدأنا في اكتشاف بما بالعنبر من عبر ودلالات.. لفتت انتباهي كثرة المذكرات على جدرانه.. وهي مذكرات تبعث على القلق.. ذكريات من زملاء لنا.. كانوا هنا في مثل حالتنا. ومعظمهم.. إن لم يكونوا كلهم…قد مضوا إلى الدار الآخرة من البوابة الغربية لهذا العنبر العجيب. . لقد اوجسنا في أنفسنا من مصير مشابه.. وعلمنا بعد حين من حراسنا بأن من يدخل هذا العنبر مفقود.. وان الخارج منه مولود.. إن قدر الله ذلك.. مولود.. إذن نحن في عنبر الموت.. فلا حول ولا قوة الا بالله العلي العظيم. .
كانت الحراسة مشددة.. فعلى قدر الجرم تعظم الرقابة.. بدأنا التعرف على بعضنا البعض.. فهناك على محمود حسنين النائب البرلماني السابق والمحامي الشهير والسياسي الاتحادي المعروف.. وحوله حسن شيخ ادريس حضرة والشاعر الاتحادي الزين أحمد عثمان الجريفاوى.. وهناك في ركن قصي العميد سعد بحر يوسف.. سبط السلطان على دينار.. وهو من أشجع الضباط السودانيين.. وهو نائب قائد الانتفاضة.. ولكنه كان في الاعتقال لحظة قيام الانتفاضة.. وحوله ضابطا الصف.. محمد خير أغبش.. والشيخ المك.. أما د. يس الحاج عابدين وكان نائبا لمدير الأرصاد الجوية.. فهو متهم بأنه المسؤول العسكرى للإخوان المسلمين.. ومعه في ذاك الركن..الشهيد د.عبدالله ميرغنى والشهيد عبدالفضيل ابراهيم .

أما مجموعة حزب الأمة وهم أكثر عددا.. بالإضافة إلى الشهيد ابراهيم وشقيقه سليمان.. تضم الشهيد احمد سليمان الشهير ب السكرتير.. آدم أحمد اسماعيل.. محمود ابشر.. منصور مصطفى.. عبداللطيف الجيمعابي.. هرون شنوبة.. ابراهيم محمد على (تيمس).. احمد يوسف محمد موسى (النصيبة) .. آدم عبدالله حسين.. بلال عوض الله. . محمد محمود. . والشاب اسماعيل الذى اشتبه في أنه من المجاهدين ونجا بأعجوبة من التصفيات العشوائية. . وكنا نناديه بالمرتزقة.. وقد برأته المحكمة هو ومحمد محمود فيما بعد. .وعمنا كبير وكلاء الإمام بالقضارف والشرق محمد إبراهيم عجب الدور وكان عمره آنذاك 89 عاما.. وشخصي الضعيف.. كانت تتقافذنا مشاعر متفاوتة هي خليط بين الخوف والرجاء. .
وبينما نحن فى حالنا تلك.. إذ دخل علينا اللواء حقوقي محمود عبدالرحمن الفكي من القضاء العسكري ومعه زمرة كبيره من رجال الأمن نعرفهم بسيماهم واسمائهم.. جماعة الهلالي. . الذين تحروا معنا ومعهم حراسة مشددة من جلاوزة غلاظ وشداد وقساة ونحن على ذلك من الشاهدين.

جاءوا ليتلوا على مسامعنا منطوق مواد التهم التي سنواجهها أمام المحكمة العسكرية التي ستعقد أولى جلساتها ضحى نفس اليوم الفاتح من سبتمبر 76 بسلاح الموسيقى المجاور. . وقفنا ننتظر التهم الموجهة.. والتى فهمنا خطورتها من تعابير وجوههم المكفهرة.
كان المظهر ينم على سوء المخبر والمنقلب.. أخبرونا بجفاء وغلظة.. بأن مجلس القضاء العسكري قد أضاف تهمة جديدة تحت قانون أمن الدولة هي المادة 6 والتي عقوبتها الإعدام.. وأننا سوف نعلم التفاصيل من المحكمة.. تجرعنا هذه الجرعة المرة.. وتوجهنا إلى المحكمة..التى سنقف على بعض أحوالها فى اللوحة القادمة..ان شاء الله.

  • الكاتب: سياسي قيادي وكاتب

 

التعليقات مغلقة.