كده ما بتمشي

  • 18 أبريل 2021
  • لا توجد تعليقات

مهندس: عمر البكري أبو حراز


التعريف العلمي في الكيمياء لكلمتي المحلول والخليط (المزيج) أن المحلول هو المحصلة المتجانسة لعنصرين أو أكثر، يكون أحدهما الأكبر وهو المُذيب، والآخر أو الآخرين المُذاب في المحلول، في الغالب تفقد العناصر خصائصها لتشكل خصائص للمحلول تحمل أثراً إيجابياً طيباً يستعمل في العلاج أو الغذاء أو حفظ الأطعمة وخلافها، أما الخليط (المزيج) فهو مكون من عنصرين أو أكثر يُخلطان بقوة حتى يؤديان إلى خلق مادة واحدة، لكن يحتفظ فيها كل عنصر بخصائصه، مثلاً الماء والسكر يمكن عمل خليط من ماء وسكر أو ماء وملح وتكون المحصلة عصير حلو المذاق، أو مزيج حاد المذاق وفي الحالتين يمكن إعادة مكونات الخليط إلى أصلهما بعملية تسخين.
هذه المقدمة أردت أن أقول أن الحكم الإنتقالي في السودان ليس محلولاً كيميائياً مفيداً في علاج أزمات السودان أو إطعام أهله، لم تكتمل فيه عمليات الخلط والتناسق حتى يخرج لنا نظام حكم انتقالي رشيد متماسك قوي يجد القبول من المجتمع الدولي، الذي يسعى بصدق وجدية لانتشال السودان من وهدته الاقتصادية والأمنية حتى يكون قوياً ومركزاً للثقل الأمني في المنطقة بشقيه الغذائي والجغرافي. إذاً المطلوب لمقابلة جهود المجتمع الدولي هو المحلول الكيميائي وليس الخليط أو المزيج الذي يحتفظ فيه كل عنصر بخصائصه يخرجها من وقت لآخر في تمرد واضح على الخليط أو المزيج مما يربك المشهد الإنتقالي ويعقد عملية دخول المجتمع الدولي للمساعدة.
أمثلة لتأكيد أن الحكم الإنتقالي لم ولن يكن محلولاً مفيداً لحل قضايا السودان الشائكة، لأن عناصره ليست راغبة في التفاعل الكيميائي الذي يؤدي إلى المحلول السحري لعلاج أزمات السودان وتهيئة الأجواء لاستقبال المساعدات والدعم الدولي، بل تُفضل الحكم الإنتقالي في خليط أو مزيج تحتفظ فيه بكل خصائصها وخصوصياتها وقوتها المادية تستعمله وتخرج من المزيج متى أرادت.
الأمثلة للحكم المزيج أو الخليط القابل للعودة إلى عناصره أي مربع واحد هي:
أولاً: زيارتي الفريق أول البرهان إلى الجنينة الأسبوع الماضي وقبلها بأسبوع إلى ولاية نهر النيل القاسم المشترك في الزيارتين هو غياب ولاة الولايتين تماماً عن المشهد، بسبب عدم التنسيق المقصود معهما بالرغم من أن كل ما يترتب على الزيارتين يقع عبء ومسؤولية تنفيذه على الواليين- إذاً رسالة سالبة.
ثانياً: زيارة الفريق ياسر العطا إلى نهر النيل وعطبرة والتي تمت بالإجراءات السليمة وهي التنسيق مع والي الولاية د. آمنة، وتم في الزيارة مخاطبة جماهيرية ، الثوار قاطعوا حديث الفريق ياسر العطا بعنف مبالغ فيه مطالبين بالقصاص من مرتكبي مجزرة فض إعتصام القيادة العامة، ولما فشل العطا في إسماع صوته لمدة (5) دقائق ترجل قائلاً للثوار: (يجي اليوم الأنا أخاطبكم هنا وانتو تعتذروا وترحبوا بي)، طبعاً هذا كلام خطير ورسالة مهمة تصب في خانة عدم وجود المحلول المثالي المُذيب لكل عناصرالثورة وأن الحكم الإنتقالي عبارة عن خليط أو مزيج سهل الفصل بين مكوناته.
ثالثاً: زيارات رئيس مجلس السيادة ونائبه الخارجية في كثير من الحالات تتم دون التنسيق الكامل مع وزارة الخارجية، خاصة زيارة الرئيس البرهان إلى يوغندا ومقابلة نتنياهو والإتفاق على التطبيع خاصة بعد قرار مجلس الوزراء بإلغاء قانون مقاطعة إسرائيل لسنة 1958.
رابعاً: صارت هناك بعض المواضيع والأماكن خارج السيطرة الكاملة لوزارة الخارجية مثل الزيارات الخارجية لرئيس مجلس السيادة ونائبه إلى دول الخليج، خاصة الإمارات والسعودية ودول في غرب أفريقيا ومعظمها زيارات غير معلنة ولا تخرج بعدها بيانات مشتركة أو إعلانات أو اتفاقيات.
خامساً: اختطاف ملف السلام والذي حددت الوثيقة الدستورية أنه شأن وواجب من واجبات المكون المدني، تحول هذا الملف في جوبا إلى المكون العسكري تماماً ووقّع على الإتفاق الفريق أول حميدتي نيابة عن السودان، وحضر د. حمدوك رئيس الوزراء مراسم التوقيع كمدعو فقط، اتفاق جوبا للسلام البنود المدنية فيه والتي يقع عبء تنفيذها على المكون المدني أكثر بكثير من فصل الترتيبات الأمنية والذي جعل المكون العسكري يخطف الملف كله.
سادساً: الملف الاقتصادي جزء لا يتجزأ من مهام المكون المدني ومجلس الوزراء ورئيسه حمدوك، هذا الملف الآن رئاسته عند نائب رئيس المجلس السيادي وحمدوك وحكومته فشلا في إقناع المواطن السودان بأن الأمور الاقتصادية سا ئرة في الطريق الصحيح، بالرغم من أن رئاسة هذا الملف عند المكون العسكري إلا أن كل التذمر والتظاهرات والعصيان ضد المكون المدني خاصة من عناصر النظام القديم الذين خرجوا في مواكب ضعيفة مطالبة بذهاب حمدوك وحكومته.
سابعاً: وجود أكثر من خمسة جيوش ولا تلوح في الأفق القريب عملية دمجها، وذلك لتمسك قياداتهم بها، إذ أن وجود قواتهم هذه في المدن خاصة العاصمة بأسلحتهم تشكل عنصر القوة والضغط في الحصول على أكبر قدر من كيكة السلطة لذلك منح اتفاق جوبا عملية الدمج هذه (40) شهراً أكثر من ثلاث سنوات.
العالم الأول المشرئب حقيقة وفي صدق لمساعدتنا لن ينتظر ثلاث سنوات لخلق جيش قومي واحد، ولن تقدم لنا المؤسسات الدولية الاقتصادية الدعم اللازم في الوقت المناسب وما زالت حروبات دارفور تتواصل والجبهة الشرقية تشتعل، كل ذلك إضافة إلى فشل إكمال المؤسسات الدستورية في الحكم الإنتقالي مثل المجلس التشريعي وتعيين حكام الأقاليم الجديدة والتي حتى الآن لم يعلن عنها هل هي ستة أم ثمانية، ومن هم حكامها عسكريون أم مدنيون.
الصورة الحالية غير مشجعة ومحبطة و(كده ما بتمشي) والعالم لن ينتظر خاصة أمريكا ولن(تقنع) تتركنا، لأن استراتيجيتها المستقبلية في المنطقة تمت برمجتها بخلق سودان قوي اقتصادياً وأمنياً، لذلك يجب أن لا يندهش أحد إذا حدث تغيير جذري بانقلاب يختلف شكلاً ومضموناً عن كل الإنقلابات الأخرى- انقلاب ذكي في ظاهره حكم مدني وفي باطنه عسكري برموت كنترول- لذلك يجب أن نرتفع خاصة القادة إلى مستوى التحدي والمخاطر وإلا سيفقد كل من هو الآن في القيادة والسلطة كل ما ناله في السنتين الماضيتين ويصبح بين السجون والعزلة والوحدة واحتمال القبور.

التعليقات مغلقة.