مهندس العلاقات السودانية التشادية لـــ” التحرير” د. حسن برقو: السودان وتشاد امتداد لتاريخ مشترك وجغرافيا لن تفرق بينهما السياسة

  • 09 مايو 2021
  • لا توجد تعليقات

حوار : سيبويه يوسف


الراحل ديبي صنع تشاد الحديثة واسهم في نجاح الثورة السودانية واصبح رجل افريقيا القوي

د. حسن محمد عبدالله برقو احد مهندسي العلاقات السودانية التشادية وظل لصيقا بالملف المهم بين البلدين بحكم تخصصه في العلاقات الدولية بجانب علاقاته الوثيقة بالمجتمع التشادي ووشائج الدم والقربي التي تجمع بينه واسرة الرئيس الراحل ادريس ديبي، جلست معه ” التحرير ” في حوار تناول العديد من المحاور التي القت الضوء علي عمق العلاقاة بين البلدين وتأثيرات رحيل الرئيس التشادي ادريس اديبي وغيابه عن المشهد السياسي والامني في منطقة وسط وغرب افريقيا ، بجانب استشراف المستقبل السياسي للدولة التشادية فى ظل التحديات التي تواجه المنطقة بعد تنامي النشاط الارهابي لمجموعة “بوكو حرام” وعدد من التيارات الكفيرية بالمنطقة
تشاد دولة استرتيجية من الطراز الاول
ابتدر د. حسن برقو حديثه قائلا : ان تشاد دولة استرتيجية من الطراز الاول من واقع الوضع الجغرافي حيث تقع في القلب الافريقي ، وهذا الموقع منحها اهمية قصوي في حفظ العديد من التوازنات في الغرب الافريقي بجانب وسط افريقيا، وظلت تشاد دولة محورية تؤثر وتتأثر بمحيطها الاقليمي، واشار برقو الي ان اهتمامه بكل ما يتعلق بتلك المنطقة من خلال معايشته للواقع السياسي والاجتماعي بدولة تشاد بجانب دراسته الاكاديمية التي نال بها شهادتي الماجستير والدكتورة عن النزاعات المسلحة بدارفور واثرها في دول الجوار الاقليمي
وقال د. حسن برقو ان العلاقات بين السودان وتشاد علاقات قديمة ومتجذرة ولكن هناك كثير من الحقائق التي تم طمسها خاصة إبان الفترة الاستعمارية الفرنسية وخاصة ما يتعلق ما بعد عام 1924 بعد تقسيم الحدود، ولاسيما ان المستعمر في السودان اوتشاد عمل علي محاولة تزييف الكثير من الوقائع وممارسة التعتيم علي كثير من القبائل وفرض سياسة المناطق المقفولة ومحاربة القبائل التي تتحدث باللغة العربية ومنعها من خدمات التعليم وبات ذلك واضحا في دولة تشاد من خلال تمييز الجنوب المسيحي علي الشمال المسلم، وهذا الوضع اسهم في تكريس الجهل والتخلف في الشمال والتعليم والسلطة في الجنوب وظل هذا الوضع مستمرا حتي بعد حقبة استقلال تشاد من الحكم الفرنسي الا ان هذا الوضع مستمرا طيلة الحقب السياسية التي سبقت ادريس ديبي في حكم تشاد .
ديبي باني تشاد الحديثة
وقال د. برقو ان الرئيس الراحل ادريس ديبي يعود له الفضل في تأسيس دولة تشاد الحديثة وحرر عملية التنمية والتعليم المتوزانة وفي عهده اصبحت اللغة العربية لغة معتمدة بجانب تأسيس المجمع الاسلامي وهذا الوضع صنع ملامح دولة جديدة تقوم علي حقوق المواطنة وقضي علي مكامن التهميش والاستعلاء بعد ان نالت القبائل والمناطق المهمشة حقوقها في التعليم والصحة والتنمية .
واشار الي ان دور الادارةة الاهلية في تشاد كان فعالا طيلة فترة حكم ديبي عكس ما حدث في السودان إبان النظام البائد عندما تحولت الادارة الاهلية لأداة حكومية لتفتيت النسيج الاجتماعي من خلال صنع قيادات اهلية لمحاربة الزعامات التقليدية وهذا ما تسبب في انهيار اكبر ضامن للسلام المجتمعب بدارفور والسودان وذلك باضعاف دور الادارة الاهلية وهذا ظهرت نتائجه اكثر وضوحا في استمرار الصراع الدامي في دارفور وسفك دماء ابناء دارفور وصولا بحقبة العمل السياسي المسلح بدارفور
الامن التشادي والسوداني والمصير المشترك
وكشف د. برقو عن جملة من الحقائق التي تجعل الامن السوداني والتشادي يمضيان معا نحو مصير مشترك ، وان ما يحدث في السودان او في تشاد يؤثر فى كلاهما من واقع العلاقات التاريخية والقبائل المشتركة والجوار الجغرافي، واشار الي ان المناطق الحدودية بين السودان وتشاد وافريقيا الوسطي و التي تصل الي منطقة العوينات فان هذا الشريط الحدودي يضم 525 من البيوتات و125 قبيلة حدودية مشتركة تمثل عمق استرتيجي بين البلدين ، ولنضرب مثلا قبيلة الزغاوة فى مملكتها القديمة ” مملكة وادي هور” قبل 700 سنة سابقة كان تواجدهم المشترك مع قبيلة الشايقية يلتقون في منطقة ” الباجة” علي ضفتي شرق وغرب النيل ، ويبدأ وادي الملك من منطقة العوينات ويصب في النيل ، ليتكون ما يسمي بالحوض النوبي الذي يمتد من شمال السودان حتي جبال تبستي .وفي عهد الاستعمار الفرنسي والانجليزي وفي تقسيم الحدود فى عام 1924 حدث تمييز للقبائل من واقع الظروف الاقتصادية السيئة التي تعيشها اوربا حيث كان ولاء المستعمر للقبائل التي تدفع الاموال والجبايات والاتاوات للاوربيين ، وكانت اوربا تتنظر السف القادمة المحملة بالثروة الحيوانية والعبيد من افريقيا، وازداد صراع الاوربيين في مناطق الثروة الحيوانية والموارد وكان اهتمامهم المتعاظم بالسودان الممتد باسمه القديم ” الانجليزي” والسودان الفرنسي، وفي مرحلة من مراحل التاريخ كان خير المستعمر سلطان المساليت السلطان تاج الدين ما بين الانضمام للاستعمار الفرنسي بتشاد اوانضمامه للسودان وذلك بحضور السلطان عبدالله صابر من ضمن الادارة الاهلية واختار السلطان تاج الدين البقاء في السودان لمدة 50 عاما وبعدها يتخذ قراره النهائي بانضمام دار مساليت وكان له ما اراد
وهذا يدل علي التماذج الموجود بين السودان وتشاد وحتي اليوم في منطقة ابشي ” شرق تشاد” يوجد ميدان كبير يطلق عليه ” ميدان تاج الدين” ، ومن القواسم المشتركة نجد أن هناك سلطنتين للزغاوة واحدة في السودان والاخري في تشاد حيث اصبح حسن برقو سلطانا في ” طنتباي” واخري في تشاد في منطقة اقليم ” بليتين” و” وادي فرا”
العلاقات السودانية التشادية ما بين الشد والجذب
اشار د. برقو الي ان العلاقات بين السودان وتشاد مرت بالعديد من المراحل ما بين الشد والجذب، وان هناك تداخل قبلي كبير بين الدولتين يتمثل في اكثر من 5 مليون نسمة من اصول تشادية يقيمون في السودان، وذكر ان هناك اطماع تدير الكثير من الصراعات وخاصة ان العديد من قيادات النظام البائد كانت تشعر بعدم الرضا تجاه قبيلة الزغاوة بعد وصول ادريس ديبي لسدة الحكم في تشاد ، وبالتالي تضامنوا مع المعارضة التشادية بدعم المعارض محمد نور ، والامر الاخر بعد مفاصلة الاسلاميين في السودان كان معظم ابناء الزغاوة في الحركة الاسلامية إنحازوا للشيخ الراحل حسن الترابي ، وتعرض الزغاوة لحرب شاملة وخاصة فى الاطار الاقتصادي وطالهم التضييق في الاسواق والاعمال التجارية مما حدا بمعظمهم لمغادرة السودان لدول الجوار ولكل بقاع العالم ، وربما كان هذا الامر لفائدة لهم وحققوا من خلاله نماء اقتصادي كبير ، وبعدها انفلت الوضع في دارفور باشتعال الصراع المسلح وما تركه من آثار مدمرة بالمنطقة ، وكان موقف الرئيس التشادي الراحل ادريس ديبي يؤكد حرصه علي علاقة جيدة مع السودان ويتجلي ذلك عندما رفع المنديل الابيض في عام 2010 ليؤكد حرصه علي علاقات طيبة مع السودان وغلق كل ملفات الماضي .رغم ان الراحل اكتشف بنفسه عدد من الوثائق التي تكشف تورط النظام السابق ، وحتي الاتهامات التي انطلقت لإدانة ديبي بمساعدة قواتى العدل والمساواة للخرطوم بانها تمثل رد فعل طبيعي ولكن وقائع الاحوال تقول بان دخل الخرطوم هم قوات سودانية وليست تشادية .
غياب ادريس ديبي عن المشهد السياسي وتاثيراته على المشهد
وحول تداعيات رحيل ادريس ديبي عن المشهد السياسي قال د. برقو ان الراحل يكفيه فخرا انه مات في الميدان وهذا لوحده عنوانا لكثير من القيم في العصر الحالي ان يموت رئيس في الحرب، واضاف بان الوضع في تشاد متناغم ورد علي كثير من المشفقين الذين ظنوا ان تشاد سوف تعود الي مربع الصراعات ، حيث اكد الجميع علي ضرورة تحمل المسؤولية الوطنية ، وحملت رسائل لمن يشمت بان ” الزغاوة انتهوا” ، فان الترابط التشادي والوحدة التشادية والحكمة قادت لتجاوز الازمة سريعا وتفويت الفرصة على المتربصين
وقال د. برقو ان الثورة السودانية كان لها اثر كبير في شكل العلاقة التي تربط بين السودان وتشاد ولا سيما ان الرئيس التشادي الراحل كان من المهتمين بانجاز ملف السلام في السودان وداعما اساسيا لاتفاقية سلام جوبا ، وكانت هناك مبادرات وزيارات متواصلة حتي تم تتويج هذا الانجاز السوداني ،وبل دعم الثورة من خلال الاتحاد الافريقي الذي عمل علي حماية الثورة السودانية حتي الوصول لغاياتها، واشار الي ان الرحيل المفاجئ للرئيس ادريس ديبي احدث ربكة في المشهد السياسي سواء داخل تشاد او دول الجوار، الا ان الترتيبات الذكية في الداخل التشادي جعلت الامور اكثر هدوءا وتمكن الفريق اول عبدالفتاح البرهان رئيس المجلس السيادي من القيام بدوره بمساندة رئيس المجلس الانتقالي محمد ادريس ديبي من دور ابوي وليس من باب الندية .
واضاف برقو ان غياب الرئيس ديبي له اثاره الكبيرة علي المنطقة كقائد افريقي مؤثر ، حيث ظل متصديا لكل الارهاب السياسي و الديني منذ اندلاع الفوضي ومقتل القذافي حيث تصدي لفكرة المقومة وقاد التجمع الافريقي ” قوي الـ جي 5″ والتي تتكون من ” تشاد ، النيجر، موريتانيا ، مالي ، نيجيريا” لحرب الارهاب المتمدد في غرب افريقيا ووسطها ووتطويقه في الصحراء، ومجموعة “السيماك” التي تتكون من 9 فرانكفونية ومن خلالها اصبحت تشاد القوة الضاربة الجاهزة لمكافحة الارهاب بدليل انتشار الجيش التشادي في 6 دول افريقية
وبرحيل الرئيس ديبي تنتهي حقبة في تاريخ تشاد الحديث ونأمل ان تتوصل مسيرته بالعطاء الذي بذله حتي تصبح تشاد دولة قوية تملك قرارها .

التعليقات مغلقة.