تصويب لقصص مختلقة عن الشاعر ادريس جماع

  • 27 مايو 2021
  • لا توجد تعليقات

محيي الدين الفاتح محيي الدين

يتداول غير قليل من المنشغلين بالأدب قصةً عن مناسبة قصيدة (أنت السماء) للشاعر السوداني الراحل إدريس محمد جماع والتي تقول كلماتها :-

 أعلي الجمال تغار منا..... ماذا عليك إذا نظرنا 
هي نظرة تنسي الوقار..... وتسعد الروح المعنى
دنياي أنت وفرحتي......  ومني الفؤاد إذا تمنى

أنت السماء بدت لنا……. واستعصمت بالبعد عنا
هلا رحمت متيماً…….عصفت به الأشواق وهنا
ماجت به الذكرى فطاف… مع الدجى مغنيً فمغنى
هزته منك محاسن…………. غني بها لما تغني
يا شعلةً طافتْ خواطرنا….. حَوَالَيْها وطفنا
أنست فيكَ قداسةً……..ولمستُ إشراقاً وفناً
ونظرتُ في عينيكِ…….. آفاقاً وأسـراراً ومعنى
كلّمْ عهوداً فى الصبا… أسألْ عهوداً كيف كُنا
كمْ باللقا سمحتْ لنا…….. كمْ بالطهارةِ ظللت
ذهبَ الصبا بعُهودِهِ…….. ليتَ الطِفُوْلةَ عاودتنا.

هذا النص مثبت في الطبعة الأولي لديوان جماع الوحيد (لحظات باقية)، علي أنه كتب في العام 1942م في منطقة تنقسي السوق بالمديرية الشمالية. والتي جاء إليها معلماً بمدرستها الأولية عام 1941 ،تابعاً لوزارة المعارف السودانية,بعد تخرجه مباشرة من معهد معلمي المرحلة الأولية ببخت الرضا.

لم يتجاوز عمر جماع – عند تأليف هذه القصيدة – العشرين عاماً إذ هو من مواليد 1922م بحلفاية الملوك، ولم يكن قد غادر السودان بعد، حيث أنه هجر المدارس الأولية، وهاجر إلي مصر والتحق بكلية دار العلوم عام 1947م. ليعمل بعد تخرجه معلماً بمعهد التربية بشندي ، وكثيراً ماحدثنا عنه والدي الراحل العزيز الأستاذ الفاتح محي الدين وهو أحد تلاميذه بهذا المعهد عام 1954م

كنت أندهش إزاء مقدرة جماع الإبداعية كلما أقرأ أو استمع لهذه القصيدة، والتي كان قد لحنها وغناها سيد خليفة عام 1963م وسماها (غيرة)، وحققت بذلك انتشاراً أوسع بين الناس، لكن ماتلبث دهشتي أن تزول عندما تقفز إلي ذاكرتي لوحته الجمالية الخالدة، والتي كتبها وهو طالب في بخت الرضا، في الخامسة عشر من عمره عام 1937 م، وقد نشرت في الديوان تحت عنوان (من شعر الصبا) واسمها (الشاعر) وترنم ببعضها – فيما بعد- عبد الكريم الكابلي :-
ماله أيقظ الشجون فقاست وحشة الليل وأستثار الخيالا
ماله في موكب الليل يمشي ويناجي أشباحه والظلالا
حاسر الراس عند كل جمال مستشف من كل شئ جمالا
هين تستخفه بسمة الطفل قوي يصارع الاجيالا
ماجن حطم القيود وصوفي قضى العمر نشوة وابتهالا
خلقت طينة الأسى وغشتها نار وجد فأصبحت صلصالا
ثم صاح القضاء كوني فكانت طينة البؤس شاعراً مثالا
يتغنى مع الريح إذا غنت فيشجي خميله والتلالا
صاغ من كل ربوة منبرا يسكب في سمعه الشجون الطوالا
هو كالطفل لاعب يبني الرمال قصورا هي أماله ويدك الرمالا
هو كالعود ينفح العطر للناس ويفنى تحرقا وأشتعالا

لقد جرّ الإعجاب الشديد بشاعرية جماع إلى نسج الأساطير حوله وحول قصائده، ولم يعرف عن جماع أنه كتب شعراً بعد أن دخل في حالة الصمت التي لازمها ولازمته، منذ مطلع الستينات حين كان مدرساً بالخرطوم الثانوية، —والتي قدم إليها من بخت الرضا الثانية،— حتي وفاته عام 1980م،
إن الوصف الأدق لحالته هو اعتزال الحياة والناس فيما يشبه موجة من الذهول وليس الجنون كما يروي البعض.

من هذه القصص الرائجة أنه رأي بالمطار أحدي الحسناوات مع زوجها، فأطال النظر إليها مما أشعل غيرة الزوج، واشتد الأمر، وارتفعت الاصوات وتعالت، وتدخل من فض الاشتباك.

القصة كلها لاسند لها، فهو لم يسافر إلي إنجلترا مطلقاً – كما أشاروا- وجعلوا المطار هو مطار القاهرة لينسبوا هذا الجمال إلي مصر! والعهد بين تاريخ كتابة القصيدة وعلاج جماع المزعوم —إن صح — هو ثلاثة وعشرون عاماً بالتمام والكمال.
صحيح أنه قد تمت محاولة تسفير جماع إلي مصحة في بيروت عام(1965م) والتي ربما قضى فيها شهرين فقط —بعد فترة قضاها في مصحة كوبر دون أن تحدث فرقاً— بناء على قرار أصدره الزعيم الرئيس إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة حينها، في كلمة له علي الهواء مباشرة عند ختام حفل غنائي بالمسرح القومي كان سيد خليفة قد غني فيه رائعة جماع تلك.

إن كلمات (أنت السماء) تؤكد من تلقاء نفسها أنها ليست لمناسبة عابرة كالتي يحكون، بل هي قصة عاشها جماع منذ الطفولة وتحسر عليها بألم طاغ.ٍ في آخر القصيدة

كلّمْ عهوداً فى الصبا… أسألْ عهوداً كيف كُنا
كمْ باللقا سمحتْ لنا…….. كمْ بالطهارةِ ظللتنا
ذهبَ الصبا بعُهودِهِ…….. ليتَ الطِفُوْلةَ عاودتنا.

وفي رحلة العلاج المزعومة – والتي لم تحدث – صاغوا مناسبة إعجابه بعيون ممرضته الإنجليزية الجميلة مبرراً لقوله شعراً:-
السيف في الغمد لاتخشي بواتره
وسيف عينيك في الحالين بتار

إن أفضل قراءة لشعر جماع لاتتأتى إلا في ظل الربط الموضوعي لشعره، وسوف تعين قصيدة مثل رائعته
(في ربيع الحب) على إدراك العمق الوجداني الذي أتاح إنتاج هذا الشعر الجميل الحزين:-

فى ربيع الحب كنا
نتساقى ونغنى
نتناجى ونناجى
الطير من غصن لغصن
ثم ضاع الأمس منى
وانطوى بالقلب حسرة

اننا طيفان فى حلم
سماوى سرينا
واعتصرنا نشوة
العمر ولكن ما ارتوينا
انه الحب فلا تسأل
و لا تعتب علينا
كانت الجنة مأوانا
فضاعت من يدينا
أطلقت روحى من
الأشجان ما كان سجينا
أنا ذوبت فؤادى
لك لحنا وأنينا
فارحم العود اذا
غنوا به لحنا حزينا

ليس لى غير إبتساماتك
من زاد وخمر
بسمة منك تشع النور
فى ظلمات دهرى
وتعيد الماء والأزهار
فى صحراء عمرى

أضفى سيد خليفة بنبرة صوته الخاص العميقة بعداً ثالثاً، وأبان نكهة الحزن الذي وطنّه جماع في قصائده هذه ، وقد وصل جل الناس إلي ربط الحزن بل والتشاؤم بجماع، خصوصا بعد النظر إلى قصيدته الدارجة التي غناها سيد خليفة أيضاً
يوم قسموك ياهم…. كتبوا عليك اسمي
لو كان رووك بالدم….. ياهم رووك دمي
انا لو رضيت بالهم…. ما برضي بي همي
حباني ياأهلي…….يامن تعزوني
في الدنيا خاب أملي.. .. في حظي عزوني
أنا لو يحين أجلي………. ماتبكوا هنوني

لاشك عندي أن قضاء جماع حياته منفرداً دون زواج وماأصابه من اكتئاب، وماعرف عنه من حساسية مفرطة، وتأدب لامحدود في كل تصرفاته، مع هذا الشعر المنغمس في الحسرة قد قاد بعض الناس إلى الظن – الذي يقرب إلي اليقين – إن جماع هو صاحب الأبيات الأشهر والأكثر تشاؤماً
إن حظي كدقيقّ فوق شوكٍ نثروه
ثم قالوا لحفاة.ٍ يوم ريح اجمعوه
صعب الأمر عليهم ثمّ قالوا اتركوه
إن من أشقاه ربي كيف أنتم تسعدوه

الأبيات ليست مثبتة في (لحظات باقية) في كل طبعاتها، كما ان دراسة جماع وتخصصه في اللغة العربية تمنعه من أن يتأتي بالمضارع المرفوع محذوف النون، فالصحيح ( تسعدونه) بثبوت النون لا( تسعدوه) بحذفها.

صحيح أن دراسات جرت عن جماع أشهرها -(جماع قيثارة الإنسانية) لمحمد حجاز مدثر، لكن تحقيق أشعار جماع وتوثيقها علي نهج علمي مدروس مازال شيئاً غير منظور في الأفق، بل ربما أراح الناس ماتناقلوه حتي صدقوه، وهو في تقديرهم يقرب شاعرهم الذي أحبوه إلى الشخصيات الأسطورية.

التعليقات مغلقة.