في رثـاء أيقونة النضـال.. مـات نُقـد الله وبَقيت سيـرته مُلهمة للأجيـال

  • 20 يونيو 2021
  • لا توجد تعليقات

محمد الأمـين عبد النـبي

(١)
غيب الموت هذا الشهر أحد أعظم مناضلي بلادي وأحد أبرز قادة العمل السياسي المناضل الفذ الأمير عبد الرحمن عبد الله نقد الله، بعد صـراع طويل مع المرض وعن عمر مديد أنفقه بسخاء وصمود وشجاعة مُلهمة، فقد استطاع أن يفرض احترامه وهيبته على خصومه قبل أصدقائه بل وعلى كل السودانيين فتحدث عن مآثره الخالدة قادة الفكر والسياسة والثقافة وسارت بسيرته الركبان وسُطرت في حقه الكلمات بأحرف من نور.
لقد كان الأمير نقد الله أباً للكوادر الطلابية والشبابية في كل تنظيمات التجمع الوطني الديموقراطي، وصديقاً لكل قيادات العمل النضالي السياسي والنقابي زرع الارادة والثقة في كل من عمل معه في الشأن العام، وكان حبيباً للمظلومين والمقهورين تلمس أوجاعهم وحمل همومهم في قلبه الكبير، وأخاً لكل أبناء أم درمان “البقعة” عّمق العلاقات الاجتماعية مع كل الجماعات الدينية والمدنية والثقافية والأهلية، فقد أكسبته الأبوة والصداقة والمحبة والأخوة احترام وتقدير أهل السودان.
جّسد الأمير نقد الله الانصارية مظهراً وجوهراً سلوكًا وعقيدةً بهيئته الانصارية الكاملة والتزامه بالعبادات والأذكار والعادات وحلقات المديح، فإلى جانب العمل الأنصاري الذي برع فيه كوالده، عُرف عن الأمير كفاءته التنظيمية والقدرة الفائقة على تنفيذ المهام السياسية، وتمتعه بحجة وإقناع وصدقية التوجه وتحمل المسؤولية بحقها.
(٢)
كان لي شرف التعرف على الأمير نقد الله لأول مرة حينما استصحبني والدي إلى منزله العامر، وجدنا حينها حلقة مديح يحفها أنصار الله وتكبيراتهم تبلغ عنان السماء، وبعد أن انتهى المديح بالجلالة، خاطبه والدي قائلا: “يا الحاج دا ولدي محمد جبته يكمل معاكم المرحلة الثانوية “، فكان رده قائلا: حبابك وحبابه وصـل تب يكمل الثانوي والجامعة كمان.
ومن تلك اللحظة ظللتُ أتردد على بيت الأمير كل جمعة، عطفاً على مشاركتي في كل الأنشطة التي تقام بمنزله أتي في معية أحباب (بيت العباسية)، بل أصبحتُ ضمن مجموعة تُطارد ندوات ولقاءات الأمير نقد الُلُُه في الجامعات والمدن..
وعند التحاقي بجامعة الجزيرة وجدت وقتها تنظيم الطلاب الأنصار حزب الأمة في تواصل دائم مع الأمير يأخذ منه التوجهات السياسية ويرفع إليه تقارير عمل التجمع في الجامعة، وكذلك كان قيادات العمل السياسي بمدينة ود مدني يفعلون، فكنت حضورًا في أي محفل للأمير بود مدني تقريبًا.. كنا ننظر إليه كأسطورة للنضال ورمز للكبرياء نحفظ كلماته ونقلده طريقة حديثه، وكانت سيرته لا تفارق أنُس الأساتذة عمر سربل ومجدي سليم وعبد الحميد الفضل وعثمان أبوزيد ونحن نأتيهم بين الحين والآخر.
وأذكر فيما اذكره ندوته الشهيرة في مدينة المناقل عندما كان يتحدث عن فساد الإنقاذ وأكلها أموال الشعب وأن المحسوبية نخرت عظم الخدمة المدنية، ويردد “بأن الله يُمهل ولا يَهمل”، كانت كلماته الحماسية تخرج كالرصـاص تلهب الجماهير، ورغم نحول جسده، فإن صوته القوي وحضوره الكاريزمي خيم على الجميع وكأن على رؤوسهم الطير وهم يستمعون إلى الكلمات التي تزلزل الأرض، حتـى سقط من المنصة بفعل نقص السكري، ولم تمض دقائق معدودة حتي صعد للمنصة من جديد ليطمئن الجميع بأنه بخير. وغيرها وغيرها من الندوات واللقاءات الجماهيرية والنظام الغاشم وقتها في قمة عنفوانه واستبداده.
(٣)
وبعد مرضه الأخير والذي ألزمه الفراش قرابة العقدين من الزمان، كنا نستمتع بسيرته والتحدث عنه والاستماع لقصته مع الطغاة وما تعرض له من تعذيب في بيوت الأشباح والمعتقلات وسجون الطغيان من أمنا سارة نقد الله والأحباب إبراهيم تيمس وعبد اللطيف الجميـعابي وفضـل النور جابر والباقر قنـات والمرحوم الفاضل حمد دياب والمرحوم عمر الشهيد، ولاحقاً استمعت مشاهدات من نضال الأمير لنخبة من أبنائه الأساتذة محمد ساتي علي وريمبات النور حجر وصديق حماد الأنصاري وفتحي حسن عثمان ومحمد حسن المهدي فول ومحمد فاروق وطارق عبد المجيد وغيرهم،
وكل منهم لديه مواقف وحكاوي خاصة مع الأمير نقد الله، وينظر إليه من زاوية شوف مختلفة عن غيره فلا تسمع قصة مكررة.
كثيرأ ما كنا نذهب إلى بيت الأمير نقد الله خاصة فترة عملي مع الأميرة سارة نقد الله كمساعد للأمينة العامة لدائرة الإعلام بالحزب، زرته في غرفته وهو على الفراش مرات قليلة، ولكن، كان حضورًا بيننا بمواقفه وسيرته العطرة وكأنه يشاركنا أطراف الحديث.
(٤)
لقد وضـع الأمير نقد الله بصماته في كل من تعرف عليه أو عمل معه، وترك أثراً في كل منطقة وطأتها قدماه، وألهم أجيالاً بمواقفه الصلبة، وعاش متواضعًا بشوشًا وزعيمًا من طراز فريد، قاد تجمع الداخل بحنكة وتفان فأجمع عليه قادة العمل المعارض رئيسا للتجمع بالداخل، أحبته الحركة الطلابية في كل الجامعات وهتفت باسمه (نحـنا أولادك يا نقد الله)، تصـدى بقوة للنظام المايوي وهو في ريعان شبابه وللنظام الإخواني وهو في أشده، وظل عقبة كؤود وجدارا صلبا في مواجهة الظلم والاستبداد والطغيان، فلم يشهد التاريخ المعاصر، رجلاً مثله أمضى في سجون الديكتاتورية عمره مناضلاً عنيداً في الدفاع عن حقوق شعبه بجانب الحقاني الحبيب الإمام الصادق المهدي.
ويُعد الأمير نقد الله من الأوائل الذين قدموا مراجعات جرئية في مسيرة حزب الأمة القومي ومازالت وثيقة (تقرير لجنة الأمير نقد الله) تمثل أهم مرجعيات النقد الذاتي وتقويم الأداء الحزبي على المستويين السياسي والتنظيمي.
لقد ارتبط اسم الأمير نقد الله بالمقاومة والتضحية من أجل الدين والوطن، وارتبط تاريخه بقيادة معركة الحق والباطل، وارتبطت حياته بحرية وكرامة الشعب السوداني، مما جعل شاعرنا الكبير محجوب شريف يرى فيه الخلاص والانعتاق وينصبه رمزًا للحرية والكرامة والصمود:
يلا يا نقد الله يلاّ
زي عمود النور لقيتك
واقفاً …. راية ومظلة
هُب نقوم نفتح كتاب
نرفع مجلة
نرمي بذرة حق تفرهد
كم طبيب .. وحليب.. ومسكن .. وهذه للخبز غلَّة
استنارة ونارا توقد كي تدفيِّ
نطفي نار بقّت تشفيِّ
الوطن كترت جِراحو
والذي فيهو بيكفيِّ
السلام مكسور جناحو
صباحو خافت
نورو ظلَّ
العلم رفرف زمان
إلا لسع ما استقلَّ
الأيادي المُستبدة
والنوايا الطيبة لمن تُستغلَّ
والقلم فاقد أمان
كلَّ مِن القيد وملَّ
الحليم أخلاقو ضاقت
والكريم ضاق المذلّة
جُدنا بالموجود زمان
هسّ قد تغلبنا حَلّة
الفرح حيلو اضمحلَّ
والحزن غطى الملامح
حتى في الأشجار تجلى
الأرامِل والحوامِل كالهوامِل
والطفولة المُستغلة
من هوام الأرض
أقرب يا إلهي
واللي فوق من تاني علا
الذي عشناه ماهل
يا حبيب أصبح أقلَّ
العَلي وعليك ساهل
لا لسان بالشينة ذلَّ
ولا قدم في السكة ضلَّ
ياتو زولاً بيتو فاتح
حتى باب ما فيهو واق..
(٥)
إن سيرة ومسيرة نقد الله المنقوشة في وجدان ثلاثة أجيال، عنوانها النضال ومقاومة الظلم، ستبقى مسيرته وسيرته مُلهمة، وستظل جزءًا لا يتجزأ من ذاكرة هذا الشعب بما تعنيه وترمز له من تاريخٍ حافل بالتضحيات، نستلهم منها الدروس والعبر التي ما احوجنا إليها في وطن مثقل بالجراح بفعل الديكتاتورية، وطن يعمل أبناؤه وبناته شبابه ونساؤه من أجل تحقيق أهداف ثورته المجيدة، العنوان البارز في سيرة ومسيرة الأمير نقد الله هو التوفيق الجدلي والتكاملي في الآتي:
أولاً: الإيمان والثقة بقدرة الشعب الجماعية والمبادرة الفردية من أجل الانعتاق من الاستبداد والتحرر من الشمولية ورفض الخضوع والانكسار.
ثانياً: التحصّن والتمسك بالمبادئ والفكر والتسلح بالوعي السياسي والتصدي للطغيان بالفعل الثوري.
ثالثا: توحيد الإرادة الوطنية في إطار التعددية الفكرية والتنظيمية كعامل ثراء ديمقراطي هدفه الأول والأخير رفعة الوطن.
رابعا: الربط الوثيق بين النضال السياسي لاسترداد الوطن والنضال الاجتماعي من أجل قضايا المواطن.
خامسا: جدلية دور الشباب الحركي ودور القيادة التخطيطي في التغيير والتحول الديمقراطي، فقد استطاع الأمير نقد الله جمع الشباب والطلاب للعمل جنبا إلى جنب مع القيادات السياسية في مرحلة الصراع ضد الطغاة.
سادسا: التوفيق بين الالتزام الأنصاري/الحزبي والانفتاح نحو التيارات السياسية والفكرية مما خلق تكاملا وتلاقحا وتلاقيا في هدف واحد هو المقاومة حتى النصر.
ختامـاً: طوبـى “للأميـر نقد الله” في الخالدين .. وطوبى لمن يسير على خطاه نحو الحرية والعدالة والديمقراطية..

**

التعليقات مغلقة.