طريق الانتصار لـ “عاصم ومضوي والشعب”

  • 31 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات

محمد المكي أحمد- رئيس تحرير صحيفة التحرير الإلكترونية

شق الصفوف، هدف استراتيجي لحكومة الرئيس عمر البشير، منذ الانقلاب، على نظام ديمقراطي منتخب في 30 يونيو 1989، فعلوها داخل الأحزاب، والحركات، ولم تسلم منهم الأسر والقبائل السودانية، ما يعني أن أي تحرك يهدف إلى رص الصفوف، يثير قلق الحكومة، إذ لا تتردد في مواجهته، بأساليب ماكرة، وبنهج عدواني، يريق الدماء بقسوة.

الانقلابيون يواجهون خطوات التلاقي والتعاون بين القوى السياسية والناشطين في منظمات المجتمع المدني، بعنف، مصدره عقلية تآمرية، لأن تحقيق التواصل والتفاهمات بين أصحاب الرأي الآخر، يقضي على حال الشتات، ويحشد الطاقات، على طريق العمل الجماعي، سواء داخل الأحزاب، أو بين قوى المعارضة، ومنظمات المجتمع المدني، أوفي أوساط الطلاب المنحازين لهموم الشعب.

تفاعلات وأحداث الساحة السودانية حالياً، تؤكد هذه الحقيقة الكبرى، وتأتي في صدارة الأحداث قضية الطالب الجامعي عاصم عمر، الذي حُكم (29 أغسطس 2017) بالإدانة بالقتل العمد، مع إرجاء إصدار الحكم إلى 24 سبتمبر المقبل.

كما شكل اعتقال الناشط الحقوق الدكتور مضوي إبراهيم آدم و خمسة نشطاء، في ديسمبر 2016، قبل إطلاق سراحهم يوم 29 سبتمبر 2017 من دون تهمة حقيقية، قضية حظيت باهتمام ملحوظ، في الأوساط الشعبية والسياسية المحلية والعالمية، لأن ما جرى شكل انتهاكا صارخاً لحقوق الإنسان.

في مناخ القمع أطل تنسيق ملموس بين قوى “نداء السودان”، و”الإجماع الوطني” بشأن عاصم، وقضايا أخرى بينها قضية دكتور مضوي والناشطين الحقوقيين، هذا كله يدعو للتأمل، لاستخلاص الدروس والعبر.

تحالفا (الإجماع الوطني ونداء السودان) يضمان قوى معارضة لنظام الرئيس عمر البشير، ويخطو التحالفان، بشكل تدريجي (من دون أن يضمهم تحالف واحد) خطوات مهمة نحو تعزيز التنسيق، وتوحيد الخطى، وترتيب الأولويات، وحشدها، على طريق التعبير، بصوت واحد عن مواجع الناس، والسير بخطى جماعية، على طريق انتزاع حقوق الشعب، في الحرية والعدالة والعيش الكريم.

الحراك نفسه يجري داخل بعض الأحزاب، لترتيب أوضاعها، وفي الوقت نفسه باشرت قوى شبابية في الجامعات وغيرها خطوات تمتين جسور التواصل، خصوصاً أنها خاضت تجارب ناجحة هزت نظام البشير، كما حدث في هبة سبتمبر الشهيرة في عام 2013 وما صاحبها من إراقة دماء وعمليات قتل ارتكبها النظام، ثم جاءت تجربتا العصيان المدني في نوفمبر وديسمبر 2016، ما أقلق مضاجع القابضين على كراسي الحكم بالقوة والبطش.

في سياق التفاعلات الساخنة، جاء حراك أبناء دارفور في جامعة بخت الرضا في يوليو 2017. كان لافتاً أنه للمرة الأولى بادر طلاب بتقديم استقالات، ومغادرة الجامعة، احتجاجاً على ما وصفوه بمعاملة ظالمة وعنصرية داخل الجامعة، وبعدما تصاعد المد الثوري للطلاب، لجأت الحكومة إلى منع الطلاب من دخول الخرطوم، خوفاً من تحريك انتفاضة طالبية، شعبية، عارمة، تزلزل الطغيان.

من روائع المشهد، تحرُك قيادات في المعارضة إلى قرية الشيخ الياقوت، الذي احتضن الطلاب بروح سودانية أصيلة ونبيلة، قبل أن تجبرهم السلطات الأمنية على مغادرة القرية إلى دارفور، ومنعهم من دخول مدن على الطريق، هذا أكد مجدداً أن نظام الرئيس عمر البشير لا يخجل من انتهاك حقوق الإنسان والقوانين الدولية، إذ يمنع المواطن من حرية السفر والانتقال بين مدن السودان، كما يمنع صحافيين وسياسيين من السفر إلى الخارج ، رغم أن الدستور السودان الانتقالي لسنة 2005 نصً على هذا الحق الإنساني.

هذه الانتهاكات للحقوق، تبرهن على استحكام القلق الحكومي، وخشية الحكومة من تلاحم القوى السياسية والطلاب، ويكفي الإشارة إلى دلالات اعتقال عدد من قيادات حزب ” المؤتمر السوداني”، لأنهم تحركوا إلى قرية الشيخ الياقوت، للتعبير عن تضامنهم مع طلاب دارفور بجامعة بخت الرضا، وكانت تحركت إلى القرية قيادات سياسية من أحزاب أخرى، في صدارتها حزب الأمة القومي.

الآن ظهرت مؤشرات، في شأن سعي تحالفي “نداء السودان” وقوى “الإجماع الوطني” نحو تعزيز وترسيخ التعاون، وتجاوز أوضاع التشظي، والمناكفات، التي أضرت بالشعب السوداني، وبقوى المعارضة نفسها، وشكلت عدم مواكبة لنبض الشعب، التواق لعمل سياسي فاعل، وحيوي ومستمر، وبعيد عن أساليب ردود الأفعال.

هذا يتطلب أن يتجاوز “التحالفان” التناقضات الثانوية، والبرامج الحزبية الضيقة، والأنانية السياسية، ليواصل الطرفان التنسيق التام حول قضايا الوطن، وليعلنا ميلاد تحالف عريض، يتسع لجميع الأحزاب، والحركات، خصوصاً أن حاملي السلاح، أكدوا أنهم يدعمون العمل السياسي السلمي، للتعبير عن المواقف، وتغيير النظام الباطش، بإرادة الشعب، وبحراك مدني، سلمي، يصنع الفجر الجديد.

التفاعل الشعبي، مع قضية الطالب عاصم الآن، يعكس بوضوح إيجابية مواقف قوى المعارضة “بجناحيها”، ومنظمات مجتمع مدني ، وها هي ” قهوة النشاط”، التي تضم قانونيين وأطباء ومعلمين وكتاباً في بريطانيا وأميركا والخليج والسودان، تدخل على خط التفاعل الحيوي، إذ تطلق  اليوم 31 أغسطس “حملة تويتر” لمخاطبة الرأي العام الدولي والمنظمات الحقوقية، في شأن قضية عاصم وانتهاكات حقوق الإنسان السوداني.

هذا تفاعل إيجابي، لكن المحك على صعيد القوى السياسية وتحالفاتها، يكمن في ضرورة توحيد الصفوف، وفق رؤية استراتيجية، تقترن فيها الأقوال بالأفعال، وتتيح أوسع فرص الاستفادة من الطاقات الشبابية، في تلاحم مع أصحاب الخبرات، ليرسم الجميع لوحة السودان الجديد.

عشاق الحرية يريدون بناء سودان جديد، بمناخ الحرية، والتعددية، وقيم العدالة والمساواة، ونصرة المظلومين، ومحاسبة الظالمين، والاحتكام إلى قضاء عادل، مستقل، لا مكان فيه لتأثيرات حاكم ظالم، يوجًه مساراته، ويسلب الدور المستقل العادل لقضاة السودان، الذين نراهن على وعيهم وضميرهم، ووطنيهم، رغم قساوة الأوضاع، ودور النظام في سن قوانين تنتهك حقوق السودانيين، وهنا تكمن أم القضايا التي تصنع المظالم اليومية.

في هذا السياق نحيي الدعوة، التي أطلقها تحالفا ” نداء السودان” و” الإجماع الوطني” للناس، والقوى السياسية ومنظمات المجتمع المدني، للوقوف مع الطالب عاصم، يوم الثلاثاء 29 أغسطس 2017 من أجل اسماع أصوات جماعية، تدعو إلى محاكمة عادلة.

نحيي هذه الوقفة الوطنية، ومن أطلقوها، كما نحيي من حضروا المحاكمة، وخرجوا إلى الشارع، ليهتفوا ضد النظام الظالم، كما نشيد بالبيان المشترك الذي أصدرته ” قوى الإجماع الوطني” و”نداء السودان) (29 أغسطس 2017) عقب صدور الحكم على عاصم، وتأكيد الجانبين السعي إلى  “تحويل  معركة براءة عاصمة  لمحاكمة شاملة للنظام”(نظام البشير)

نحيي الذين تفاعلوا مع الحدث، رغم القبضة الأمنية الباطشة، لأننا نعتبر مواقفهم العملية، دليل وعي، وإحساس عميق بأن الطلاب، هم صوت الشعب الأول، ورأس الرمح، وطلائع الانتصار، وقادة التغيير، وبناة المستقبل، الذي يستمد حيويته ومعناه من روح العصر، من تطلعات أمهات الطلبة والطالبات، وبينهم أم عاصم وأخواته.

المستقبل، الذي يسعى إلى ميلاده حبيبات الوطن وأحبابه، يستمد بريقه ومشروعيته أيضاً من شقاء الكادحين، المعذًبين، الجالسين على الأرصفة، ومن الكرامة السودانية، المُهانة بسبب الفاقة والفقر، وانسداد سبل الحياة الكريمة، أمام الباحثين عن خبز، وسط النفايات، أو عن بقايا طعام في مآدب الأفراح والأتراح.

بعض أهلنا في السودان أحياء أموات، حالهم البائس، يعكسه عجزهم عن شراء “كل” الدواء المطلوب للعلاج، لكن لا خيار أمامهم سوى طلب مساعدة الآخرين، أو شراء” بعض ” الحبوب”، أو جرعة من   دواء، لتًخفًف الألم، رغم أن بعض الدواء لا يعالج السقم، الذي طال أمده، واستحكم، في الدواخل وأعماق النفوس.

يا من تحاولون جمع الصفوف، وتعرفون مواجع الشعب، تلاحموا اليوم قبل الغد، أرفعوا دائماً أعلام العمل الجماعي، تعلموا من تجاربكم المريرة، واحصروا خلافاتكم وتباين رؤاكم السياسية والفكرية في نطاق الحق المشروع باعتناق الفكر، الذي يحبه هذا الطرف أو ذلك، وهذا أمر مشروع لكل الناس.

هذا معناه أن السودان الذي يتطلع غالبية أهل السودان إلى إعادة بنائه، هو سودان يتسع للجميع، بلا استثناء، ويحتضن أبناءه من كل فروع الشجرة السودانية، باختلاف ألوان الطيف والثقافات والأعراق، نريده سودان الفكر التعددي، وحقوق الإنسان، سودان المواطنة والحريات، واحترام كل الاجتهادات الإنسانية، في وطن ديمقراطي، يحترم كرامة الإنسان، ويدافع عن حقوقه، ويصونها.

لكن تحقيق الأهداف الكبرى لا يتم بالكلام والشعارات، هذا يتطلب تثبيت وتعميق القناعات بالقيم الديمقراطية، ومبادئ العدالة والمساواة، بالقول والعمل معاً، داخل الأحزاب أولا، وفي إطار التحالفات.

ندعوكم إلى وقفة تأمل، وصدق مع النفس، كي ترسموا معاً تفاصيل لوحة الغد المشرق، من خلال توحيد المنابر والخطط والأهداف.

أبناؤكم في دارفور بجامعة بخت الرضا، وشباب سبتمبر والعصيان، وعاصم، ومن آزروه، ومضوي وبقية النشطاء، ومن طالبوا بإطلاق سراحهم، ليل نهار، ومن وقفوا بجانبهم، شيباً وشباباً، هؤلاء يرسمون يومياً ملامح لوحة الغد المنشود، الرافض للظلم، العاشق للحرية والإنصاف، لكنهم يحتاجون إلى دعمكم بوحدة الموقف، ووضوح الأهداف والعمل الجماعي.

وحدوا صفوفكم، وخطابكم السياسي،وخطاكم، حول قضايا الوطن الكبرى، هذا طريق الانتصار الحقيقي لعاصم ومضوي والحقوقيين جميعاً، إنه طريق الانتصار لإرادة الشعب..

modalmakki@hotmail.com

 

 

 

التعليقات مغلقة.