الهيبز في السودان: سبعينيات القرن العشرين
في سبعينيات القرن العشرين في العاصمة المثلثة، ظهر شباب مختلف، يحملون روح التمرد والانفتاح،
عرفوا بالهيبز. لم يكونوا مجرد شباب يلبسون ملابس غريبة أو يطلقون شعرهم، بل كانوا رمزًا للحيوية والتجديد في مدينة تتغير يومًا بعد يوم.
العام 1975، الشمس تميل ناحية النيل، والهواء يحمل رائحة تراب ساخن بعد رشّة ماء أمام دكان قديم.
هناك على رصيف شارع الجامعة، يقفون. كان شعرهم أفرو، كثيف ومرتفع، يعلو رؤوسهم، مع لحية خفيفة على الذقن(، وسكر بكسر الواو ) كانت تُسمى، تمنح الوجه ملامح ناضجة رغم حداثة العمر، وكأن كل خصلة تقول للآخرين: أنا هنا، أنا مختلف، لي شخصيتي.
القمصان المزركشة كانت تتنقل بين الألوان الجريئة: برتقالي يجاور أخضر فاقع، وأحمر يجاور أزرق سماوي، كأنهم جمعوا ألوان الحياة في قميص واحد.
البنطلونات واسعة في نهاية الساق لتكمل الحركة بحرية، والجزمة الملونة “لون في لون” تعكس جرأتهم في اختيار كل تفاصيل الطلة، أصفر مع أخضر، أو أحمر مع أبيض تفاصيل صغيرة لكنها تقول الكثير.
كان تجمعهم في المقاهي، أو الساحات الجامعية، أو على أرصفة الشوارع، مكانًا لممارسة أسلوب حياتهم بحرية، مكانًا للتواصل بين الشباب، للنقاش، للضحك، ولشعورهم بأنهم جزء من عالم أوسع.
كانت الموسيقى جزءًا من المشهد: أصوات الجاز والفانك والفانتا والراب تصل من الراديو والمكبرات الصغيرة، يختلط معها دقات الطبول والدفوف التقليدية أحيانًا، في رقصات حرة يتمايلون على الإيقاع، خطواتهم تتماوج بين الحداثة المحلية والروح الغربية، كل حركة تعبر عن الفرح والتمرد على الروتين اليومي.
أحدهم يسند ظهره إلى عمود كهرباء، يضحك بملء قلبه. آخر يجلس على حافة الرصيف، يتحدث بيديه أكثر مما يتحدث بلسانه. ثالث يمرر خلال خشبيا (مشطًا ) في شعره الأفرو بعناية، وكأن الشعر بيان شخصي لا يجوز إهماله.
الناس تمرّ، بعضهم يبتسم، وبعضهم يهز رأسه، ووبعضهم يراقب في صمت.
لكنهم لا يطلبون الإذن، ولا يستأذنون في أن يكونوا مختلفين.
الهيبز السودانيون لم ينسخوا الغرب حرفيًا، بل أخذوا الروح، وأضافوا لها اللون المحلي، الروح السودانية في الحركة، في الألوان، في الجرأة، في الحضور.
المشهد الذي صنعوه في الشوارع والجامعات أصبح علامة مميزة للسبعينيات، لمسة حضرية مليئة بالحياة، لا يمكن أن تُنسى.
كانوا مشهدًا والسبعينيات لا تُذكر دونهم.


