البرنجي !

مصعب الصاوي
  • 13 مايو 2022
  • لا توجد تعليقات

د. أحمد التيجاني سيد أحمد


العفو لست من الذين يعملون من الفسيخ شربات … ولم اكن ولا مرة واحدةً ناقدا فنيا وهذا شرف لا ادعية . كده بس!
عندما هربت من جهل العسكري النميري تركت ورائي كل شي محبب الي النفس . كنت في طفولتي استمع لعمي ناظر مدرسة عبكةً(النوبية) الصغري ، و الذي اشتهربخليل بابور لقوته و عنفه ولكنه كانً يذوب حنوا و هو يغني ؛
أَعَبدَةُ ما يَنسى مَوَدَّتَكِ القَلبُ
وَلا هُوَ يُسليهِ رَخاءٌ وَلا كَربُ
وَلا قَولُ واشٍ كاشِحٍ ذي عَداوَةٍ
وَلا بُعدُ دارٍ إِن نَأَيتِ وَلا قُرب
وكان يطرب من غزل خليل فرح في عزة الخليل لا عزة الميلاء . اذكر قبل عام ان اعطيت ابني بن التاسعة النوبي-الفنلندي نوتة موسيقية مسطورة بالحبر فحمل كمنجته وعزف “عزة في هواك” بدون تردد. هكذا مزجت طفولتي بكهولتي.
عندما عدت للسودان بعد اغتراب اربعة حقب وجدت جيلي جيل ابو ذكري و علي عبد القيوم وًعلي كورة و ابو عركي وسليمان عبد الجليل و النور عوض وسيد عيسي و محي الدين حران و بابو فضل الله و سليمان امً دقايق و الطيب فضل المولي و محجوب قمر الدين وًعثمان كشومة و ختمة الملك و نادية بدر و جمال بلال و عوض محمد الحسنً وعلي مهيد بانقا وزهير المبارك ووووو قد طوت اللحود اغلبهم و من بقي منهم علي قيد الحياة انتشر ليتدفا بشموس اريزونا و سهولً الغرب الامريكي والمدويستً و قليل ظل صامدا في بلد استباحه العسكر و الكيزان باسم الدين .
عندما غادرت السودان كان كثير من مشاهير السودان اطفالا او في ارحام امهاتهم او في رحم الغيب . فاتني حميد و مصطفي سيد احمد و نادر خضر والحوت ….. لكنً انتشلني البارع الفنان المؤرخ الحاذق السر قدور ليذكرني بانني من جيل استمع لوردي و حسن عطية و الكاشف و خضر بشير واحمد المصطفي و عشة الفلاتية و مني الخير والكابلي و كمال ترباس و هاشم ميرغني و ابو عركي ووو .. انتشلني السر قدور من خوفي علي ضياع انغام الحقيبة التي نشات علي اصداءها مختلطه بالمدائح وانا استمع لحاج الماحي المادح المتصوف في بيتنا في تندلتي بيت ابي الشيخ التجاني المتصوف !! والي اصداء المداح في الصابونابي .
انتشلني السر قدور من ضياع ذاكرتي التي تغطت برائحة الكيماوي في معامل البحث في كليفورنيا و كورنيل و كلورادو ونبراسكا و غرب كينيا !! غياب كاد ان ينسيني البارع المرحوم جعفر حرقل، و ان يجفف حنيني للبنقز و الطشت الملي بالماء في مناحات حي ام امبكول في عطبرة وان يغيب ما بقي من اصداء الطار علي شواطي عبكةً النوبية القابعة تحت ستون مترا من مياه السد العالي.
عدت لسودان يقود ثورته شباب و كنداكات من جيل راكب راسو أنيق و بسيط الملبس رقيق و في غاية الادب ،صادق و شجاع لا يعرف اللولوة.. يغني الحقيبة و لمحجوب شريف و يستمع لازهري محمدعلى. وبعد سنوات قليلة من الترف الحسي اصابني الاشفاق عندما رايت السر قدور يلمح مودعا في حلقات اغاني و اغاني الاخيرة العام الماضي! بكيت حسرة خوفا علي ضياع هذا الارث …
لكنني نهضت من احباطي عندما اتي مصعب الصاوي ( الذي كنت اجهله تماما) ليملأ حذاء السر قدور ويمشي علي خطواته بثبات الواثق. ادهشني مصعب! فلقد حملً كل ما تمنيت ان يحمله موثق و مقدم فنون في هذا البلد الذي يتغني بمئات اللغات و الانغام و الذي يتغذي صغاره من ارث متنوعً وثري ثري ثري. لم يترك لي مصعب الصاوي وقتا لاشفق علية و لقد كانت الحلقة الاولي من هذا العام دسمة و غنية و ثرية و كانت باقة الفنانين و الموسيقيين كاملة العدد والاعداد وكان بها كمال ترباس و توالي الابداع بتقديم متمكن من مصعب الصاوي محفوف بتلقائية و دبلوماسية العارف المجتهد و اناقة المظهر و الملبس . توالت الحلقات و توالي تقديمه لباقة من المبدعات و المبدعين يغنون الصعب الجميل، كما قال الدبلوماسي المتمكن جمال محمد احمد لابناءه : “صعب العلا في العلا يا شباب”. فالمعالي لا تاتي دون جهد.كذلك احاط بالباقة المختارة مشجعا المبدع المتمكن عصام محمد نور و النجمة الرائدة هادية طلسم.
توالت الحلقات من نجاح الي اخر وانا استمع لنجمتاي المفضلتان هدي عربي و مكارم بشير .. و غمرتني الدهشة و الحماس و الامل و انا استمع للكروان الخجول مامون سوار الدهب الذي وقعت الي اخمص قدماي في عشق اي حرف تغني به منذ ان قدمه محمد محمود في دروب محبة. و اصابني الذهول و انا استمع لشكرالله عزالدين المتمكن المجتهد و لانصاف فتحي و كلاهما منضبطان ممتازان وكانهما في حضرة السر قدور . و طربت للترحيب الذي لاقته عصفورة السودان التي تحمل كل سحنات و قيم و ادب و عفة و تواضع اهل السودان .. و فوجئت بعاطف السماني و بالواثقة هاجر كباشي التي لم اسمع عنها و لعلها كانت من المشاهير ثم غادرت السودان كما غادرها الالاف. و ابدعت لينا قاسم بصوتها الجميل .. وكذلك ابدع حفيد محمد احمد عوض الذي غمر الحلقات مثقفا مادحا مغنيا كما عمار (الفرنسي) الانيق وًالشباب محمد دريد ومحمد عبدالله
واكتب متسائلا لمصعب الصاوي مرة ثانية : جبتهم من وين ؟؟.. وهو سوال لا يستقيم لصائد اللالي المتميز! ،و الذي يعرف جيدا بان ” حواء والدة” و ان بالأفق تباشير ..كالفتاة المغريبة التي تغنت لمني الخير…والبارع عباس تلودي و هو بعيد بعيد عن بلد تمرس في طرد ابناءه البررة . تخنقني العبرات واردد شعر حكمت العتيلي الباكي ( و تفصلنا بحور سبعة هدارة هوجاء) . هكذا فرقتنا الشمولية و العنصرية . لكن كانت المفاجاة السارة عندما اكد مصعب بان النوبية لغة و ليست رطانة … وهذا اعتراف بكل لغات و ثقافات السودانُ و اهله ثوار يرمون دثار دونية ثقافية و عنصرية وهم يرددون كلمات المحجوب الخالدات في أول حضور له لاجتماع الجامعة العربية حيث قال باعتداد: العربية لغة وليست جنسا ،و نحن في السودانً نتقنها اكثر من كل هذا الحضور ، ولمن يشك او يعترض فليتقدم للمنصة للمساجلة و المنازلة!
لقد ظل مصعب طوال الشهر حانيا قريبا دبلوماسيا عارفا بافضال و ابداعات العازفين و الفنيين و المخرجين مشجعا النجوم و مؤكدا اهمية كل اغنية أو لحن بما اسبغ عليه من علمه الغزير و ذاكرته المتقدة و لقد كان محيطا بالاشعار و الشعراء احاطة العارف الدارس .
حافظ مصعب الصاوي علي ما ائتمن عليه ،و بجهده حافظ برامج اغاني و اغاني علي المرتبة الاولي بدون منازع طوال ايام الشهر الفضيل.
و استحق مصعب الصاوي بجدارةً لقب (البرنجي) الذي اطلقه خلال الحلقات الممتعة بسخاء لكل مستحقة و لكل مستحق !
د. احمد التيجاني سيد احمد
روما – كليفورنيا ٨ مايو ٢٠٢٢

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*