الوطن والمهجر

المهاجرون قهراً.. العائدون قسراً

  • 24 سبتمبر 2017
  • لا توجد تعليقات

البشرى عبدالحميد


من الورشة

أُبتلي السودان في ظل حكومة الإنقاذ بمجموعة من المشكلات والأزمات، إذ لم تترك صعيدًا في الحياة إلا أحصته لتخلق منه أزمة أو مشكلة.

تعددت في عهدها جبهات الحروب والنزاعات القبلية، وفقد السودان ثلث أراضيه، و75% من ثرواته، وبتبني سياسة التمكين انهارت الخدمة المدنية والقضاء والمشروعات الإستراتيجية، مع تسخير إمكانيات الدولة لمصلحة الحزب الحاكم، وأجهزته الأمنية والمخابراتية للحفاظ على السلطة.

ولعل من أهم أسباب انهيار الدولة ما حدث من استنزاف للموارد البشرية؛ بما أفضى الى هجرة قسرية للكفاءات والخبرات في مختلف المجالات إلى الخارج، وهي قضية لم تجد حظها من تسليط الأضواء.

وحسناً فعل حزب الأمة القومي بعقد ورشة خاصة بالهجرة والمهاجرين تحت عنوان “نحو إستراتيجية قومية لحل قضايا المهجرين” في أثناء إجازة عيد الأضحى لتدق ناقوس الخطر، معلناً ضرورة مناقشة هذه المسألة بوصفها قضية إستراتيجية؛ لما تمثله الموارد البشرية من أهمية في قضية التنمية والاستقرار، ومؤكداً أن المسؤولية الأخلاقية والوطنية تقتضي الاهتمام بهذه القضية، مع ضرورة التواصل مع الشركاء الوطنيين؛ لبلورة رؤية قومية شاملة تهزم أجندة التهجير، وتحقق إستراتيجية قومية كسبية تصب في مصلحة الاستقرار والتنمية حاضراً ومستقبلاً.

نبهت الأوراق المقدمة للورشة، وما تمخض عنها من توصيات الى أن قضايا المهجريين لا تقل خطورةً عن قضايا الحرب والسلام والاقتصاد والحريات؛ لذا يجب الوقوف عندها، وتوعية الرأي العام بشأنها، إذ إن عدم الإلمام بها، ومعالجتها من دون دراسة يجعلان الفشل ملازماً للحكومة، وما تليها من حكومات، ذلك أن القوى العاملة المؤهلة تشكل حجز الزاوية في الاستقرار والتنمية.

لقد كشفت المعلومات والبيانات التي تناولتها الورشة حقائق مهمة عن الهجرة ومشكلاتها تتلخص في الآتي:
1) أن هجرة السودانيين بدأت في الأربعينيات من القرن الماضي، إلا أن الهجرة بأعداد كبيرة بدأت في منتصف السبعينيات من القرن الماضي نتيجة الأوضاع السياسية الطاردة في ظل النظام المايوي، والأزمة الاقتصادية، إضافة إلى أن ارتفاع أسعار النفط، وزيادة الطلب على الأيدي العاملة الأجنبية في الخليج كانا من العوامل المشجعة على الهجرة.

2) تصاعدت نسبة الهجرة بشكل مزعج في عهد الإنقاذ؛ لاضطرار كثيرين إلى الهروب من بطش النظام، وممارساته القمعية والإقصائية، مع إحالة المعارضين للصالح العام تحت مظلة التمكين. وامتدت الهجرة لتشمل اللجوء السياسي إلى أمريكا ودول الغرب في ظل دولة جرى تصنيفها على أنها دولة راعية للإرهاب، ومتعدية على حقوق الإنسان.

3) جاءت أعلى معدلات الهجرة الاقتصادية بعد عام 2011م، أي بعد انفصال الجنوب، وذهاب ثلاثة أرباع عائدات النفط، والانعكاس السالب ذلك على الوضع الاقتصادي والمعيشي.
وقد أعلن جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج في بداية العام 2012م تزايد نسبة الهجرة لتشمل حديثي التخرج، وقد قُدر عدد طالبي تأشيرات الخروج بنحو 3 آلاف يومياً، في الوقت ذاته، الذى أعلنت فيها إدارة الجوازات والهجرة عن إصدار خمسة آلاف تأشيرة عمل يومياً. كما أعلن الجهاز في أوائل 2013م أن 66 ألف سوداني غادروا إلى الخارج عبر عقود عمل خلال ستة أشهو فقط. كما أكدت الإحصائيات الرسمية الصادرة في الفترة من 2008 ــــ 2012م عن وزارة تنمية الموارد البشرية والعمل ارتفاع نسبة الهجرة خاصة للأطباء والكوادر الفنية بنسبة كبيرة.

4) أن المهاجرين لدول اللجوء يمرون بأوضاع مأساوية مفزعة، وواقعاً مريراً من لحظة خروجهم من الوطن، بدءاً بمخاطر الطريق، ومروراً بالسجون والمعتقلات والمعسكرات المقفولة على الحدود الدولية، وانتهاءً بالوصول إلى غابة الاضطهاد الديني والعرقي، الذي لا يعرف سقفاً ولا نهاية دون الوصول إلى مبتغى.

5) أن المعلومات التي نشرتها مجموعة الصحفيين السودانيين الاستقصائية في عام 2010م قدمت تحليلاً يحتوي على حقائق مهموة حول الهجرة بالاعتماد على تقارير الأمم المتحدة تتلخص في الآتي:

أ- أن عدد المواطنين الذين تشردوا قسراً في الفترة من عام 1975م إلى 2009م بحثاً عن الأمان خارج الوطن، وتوزعوا في أكثر من 120 دولة حول العالم، بما في ذلك إسرائيل والصومال وكوستاريكا، بلغ عددهم 11,059,036 أي ما نسبته 28% من عدد السكان في السودان حسب الإحصاء السكاني لعام 1997م، وغالبيتهم من الشباب والمسلمين.

ب- أن العدد المشار إليه يشمل فقط الأشخاص المعتمدين بواسطة الأمم المتحدة والدول المضيفة للاجئين، ولا يشمل المغتربين أو المهاجرين الاقتصاديين، أو الذين لم يبت بشأنهم من المسجلين لدى سلطات الهجرة في الدول التي وصلوها، كما لا يشمل النازحين قسراً من ديارهم داخل السودان.

ج- أن أعلى معدلات الهجرة القسرية حدثت في عهد حكومة الإنقاذ، إذ بلغ عدد المهاجرين في الفترة من عام 1989م إلى 2009م 9,858,176 وهو ما يعادل 89% من العدد الكلى للمهجرين قسراً، ويمثل هذا العدد أربعة أضعاف من جرى تهجيرهم خلال الحرب النازية في أوربا، الذي أدى وقتذاك إلى إصدار قانون الأمم المتحدة للاجئين في العام 1951م.

د- يورد التقرير وقائع مؤلمة وصوراً محزنة، مثل تلك التي نُشرت في صحيفة جورسليم بوست الإسرائيلية، وهي عن صورة لأحد حراس الحدود الإسرائيليين يرافق أسرة سودانية تكبدت مخاطر عبور صحراء سيناء بحثاً عن اللجوء والأمن هناك، وتظهر الصورة امرأه سودانية تأخذ بيد طفلها الأكبر، بينما يحمل الجندي الإسرائيلي الطفل الأصغر في صدره، وهو مدجج بالسلاج، إضافة إلى صورة لمجموعة من اللاجئين السودانيين وهم يتظاهرون في إسرائيل، ويطالبون بحقوق أساسية يتمتع بها غيرهم من المقيمين في إسرائيل.

هـ- أنه على الرغم مما يشاع من أن أهم أسباب النزوح حرب الجنوب، فإن السنوات التي تلت اتفاقية السلام في 2005م تنفي ذلك؛ لأنها شهدت ارتفاعاً أكبر في وتيرة الهجرة القسرية. كما يشكك التقرير في أن تكون حرب دارفور سبباً في رفع وتيرة الهجرة القسرية الخارجية؛ لأن أغلبية الهجرة في دارفور تشكل نزوحاً داخلياً.

ويشير التقرير إلى أن التوترات التي شهدها الإقليم من صراعات قبلية حول الموارد قبل تلك الفترة لم تشهد نزوحاً جماعياً للخارج، وتركَز في النزوح الداخلي، وأنه وحتى بعد الحرب، فإن عدد المهاجرين بالدول المجاورة لدارفور في إفريقيا الوسطى وتشاد ومصر وليبيا بلغ 2,172,653 وهذا الرقم لا يتجاوز نسبته 22% من نسبة المهجرين قسراً خارج السودان، التي تشمل المهجرين من كل أنحاء السودان، بينما بلغ عدد النازحين داخلياً في دارفور وحدها 2,7 مليون شخص، وأنه وبمقارنة هذا العدد بتعداد سكان دارفور في عام 2003م نجد أن 74% من سكانه إما في المهاجر أو معسكرات النزوح، وأنه من خلال انطباع عام غير مستقص في هذه الدول وبشكل عام يمثل نسبة مواطني الإقليم بين جالياتهم أقل من 10%، بينما الأغلبية من الأقاليم الشمالية.

و- إن استطلاعاً عشوائيا جرى في بريطانيا لـ 38 مواطناً سودانياً لجؤوا إلى بريطانيا أوضح أن التضييق على الحريات العامة والدينية تأتي في مقدمة أسباب الهجرة، تليها مسألة الخوف على النفس والأسرة بسبب الانتماء السياسي، وتأتي في الدرجة الثالثة الأسباب الاقتصادية.

ز- أن المؤشرات الواردة بالتحليل تعكس حقيقة معاناة المهاجرين وحجم مأساتهم من ذل ومسغبة ومواجهة ظروف حياتيه في بلدان الهجرة، لا تقل سوءاً عن معاناتهم في وطنهم الطارد؛ حتى أصبح حالهم حال (من فر من الموت وفي الموت وقع).

ح- إذا كان عدد المهجرين قسراً أكثر من 11 مليون، وأضيف إليهم أولئك الذين لم يبت في وضعهم من طالبي اللجوء والمغتربين الاقتصاديين، والذين لا يقل مجموعهم عن خمسة ملايين شخص، إضافة إلى مليونين وسبعمائة نازح داخلي في دارفور وحدها يتضح أن جملة السودانيين المشردين داخلياً وخارجياً ويعيشون خارج مظلة الحكومة ربما تجاوز الآن مع ارتفاع نسبة الهجرة في السنوات الأخيرة أكثر من نصف عدد السكان. خصوصاً أن الأرقام أعلاه تعود إلى تقرير أُعد في عام 2010م، ومع زيادة النسبة في أعداد المهاجرين بعد عام 2011م، فإن العدد قد يكون ارتفع بشكل أكبر ربما تتجاوز الأرقام الواردة بنسبة 15% إلى 20% كنسبة معقولة في ظل غياب المعلومات الدقيقة.

هذه هي أسباب الهجرات ومؤشراتها، وسنتناول في المقال المقبل معاناة المهاجرين قهراً في الدول المضيفة، ومعاناتهم وهم يعودون للوطن طوعاً أو قسراً.

ونواصل

التعليقات مغلقة.