“يوم الأرض”…. هذا الشعار الخطر!

  • 21 أكتوبر 2017
  • لا توجد تعليقات

صديق عبد الهادي  

الجزيرة (في السودان) منطقة عجيبة، وليس مثلها، وبحق، مكانٌ على وجه الأرض! ولكل شخص مطلق الحق في أن يأخذ هذه العبارة كيفما اتفق!

للأحداث فيها طعم خاص، وكذلك لـ “الحكاوي”. ولسببٍ ما مازالتْ تعلق بذهني تلك “الحكوة”، التي استوقفتني، حيث لا أمل ترديدها، بل وتكرارها حتى على نفسي. وفي كل مرةٍ أحس وكأنني أقف عليها للمرة الأولى!

حدث في أوائل السبعينات من القرن الماضي أن كانت هناك مناسبة وفاة في “العقدة” ، وكان العزاء أو “الفراش” في ديوان عمنا المرحوم “بشير محمد علي التوم”، وعمنا بشير ود التوم له مكانة أثيرة في النفس، فهو واحدٌ من قادة العمل العام في “العقدة”. نحتفظ له نحن الطلاب في ذلك الزمن، بجمائل كثيرة، أقلها انه كان، وبحكم أنه رئيس لمجلس اباء مدرسة البنات الابتدائية، كان يعطينا مفاتيح المدرسة طيلة أيام العطلة الصيفية، ودونما شرط وذلك لأجل ممارسة نشاطاتنا المتنوعة. وكان كذلك هو أول من نقصده في شأن المساهمة والدعم المالي، وما كان يخذلنا، ابداً.

إن مسيرة الوعي في “العقدة” ساهم فيها الجميع، إذ أنها لم تكن حكراً على أشخاصٍ بعينهم ولا على حزبٍ سياسيٍ لوحده أو مجموعةٍ ناشطة بمفردها. فقد كانت مسيرة جماعية، باستثناء “الحركة الإسلامية”، وهذه حقيقة تاريخية لا يمكن التطاول عليها. وحتى نهاية السبعينات لم يكن لـ”الحركة الإسلامية” وجود يذكر، وليس ذلك على مستوى “العقدة” لوحدها وإنما على طول وعرض المشروع، بمدنه وبقراه!

هذه الحقيقة الصلدة لا تقف صامتة لوحدها وإنما استنطاقها هو الذي يفسر “الغبن التاريخي” لـ”ألحركة الإسلامية” تجاه المشروع وأهله، ذلك “الغبن” الذي يمثل المحرك الاساس لهجمة “الإسلاميين” الظالمة على المشروع وأهله! والحادثة الآن!

واعود لـ”الحكوة” الأثيرة.

كان من عادات العزاء في ذلك الزمان أن يفترش الناس، وخاصة الشباب، الارض ليلاً. وكنا مجموعة من الشباب، وقد تصادف أن جاء عبد الملك “زول” الحلاوين مبكراً، واستلقى نائماً. عبد الملك واحد من الشخصيات المميزة التي مرت بـ “العقدة” واصبحت جزءاً من نسيج الحياة فيها، وكان توائم روحه خميس ود الشاويش وفضل المولى ود جبارة الله وآدم عرقلة. خاطبه أحدنا، وهو مستلق في نومٍ عميق، “يا عبد الملك ارقد عديل، عشان الناس يقدروا ينوموا برضو”! لم يرفع عبد الملك رأسه، بل وهو مغمض العينين رد وبشكلٍ قاطع، ” لا، طلقْ كان انوم شابورة”! فبالرغم من أنها مناسبة عزاء فقد غرق الناس في الضحك، وتركوه لحاله!

علِقتْ تلك العبارة بذهني من وقتها، لأكثر من أربعين عاماً. في هذا الأمر لم تستوقفني الحقيقة المتعلقة بصعوبة “إستعدال الحواشة” أو “الأرض الشابورة”، فحسب، لأن “إستعدالها” للشكل الهندسي المعروف للحواشة يعني “إستعدال الترعة” او “الكنار” الذي أعطاها ذلك الوصف، أي “شابورة”، وذلك ما لا يحدث!، ولكن ما استوقفني وما زال، هو الاختزان في العقل الباطن للصعوبة والمفارقة والمرتبطتين لا باي شيئ آخر وانما بـ “الشابورة”، أي الأرض!.

إن أهل الجزيرة لا يختزنون في عقولهم الباطنة سوى الأرض! لأنهم ينامون على ذكرها ويصحون على تذكرها. ولأنهم لا “يسوون” شيئاً بدونها! فهذه هي الحقيقة الوجودية التي وقف عليها القادة التاريخيون في مشروع الجزيرة، وبناءاً عليها وضعوا “الأرض” نصب أعينهم ولذلك حينما صاغوا تاريخ هذا المشروع ورحلوا، لم يورثوا الأجيال الارض لوحدها وانما أورثوهم كذلك “قيمة الدفاع عنها والحفاظ عليها”. و”يوم الأرض” لم يخرج قيد أنملة عن ذلك الموروث!

وهذا الشعار خطر:

لا اعتقد أن الرأسمالية الطفيلية الإسلامية، “رطاس”، تعي ما قدمت أو ما هي قادمة عليه! إن أي شعار هو جزء من المقاومة، فهو ليس معبر عنها وحسب، وانما هو المحرك الذي يمثل القوى المعنوية الدافعة لأجل الصمود في تلك المعركة. ودائماً، وكما هو معلوم، أنه وبحجم المعركة تكون القدرة على نحت الشعار أو “سكه” ومن ثم التمسك به. إن اختيار شعار “يوم الارض” ومكان الاحتفاء به، فوق مغزاهما العميق فقد أفصحا عن وعي أهل الجزيرة – بقيادة تحالفهم-  بقضيتهم التي أصبحت بين أيديهم الآن، وليس بيد أحدٍ غيرهم.

لكن على الجانب الآخر، من المحزن حقاً أن هذا الشعار يعكس وبوضوح أيضاً المدى الخطر الذي أوصلت اليه الرأسمالية الطفيلية الاسلامية الصراع حول الأرض في مشروع الجزيرة. فبالنسبة لأهل الجزيرة فقد أصبح الأمر معركة وجود في وجه حملة الاقتلاع من الجذور. وتلك حالة تاريخية متفردة لم يشهدها المشروع منذ بداياته الأولى في العام 1911، وحتى عندما رفض الشيخ عبد الباقي “رجل طيبة ” فكرة المشروع لم تجد الإدارة الاستعمارية من بدٍ غير الاستنجاد بآل ابو سن أبناء واحفاد التاية بت الشيخ يوسف ابشرا، وليكون لهم ما ارادوا من خيرٍ بأهل المنطقة وبرأسمالية لانكشير!

لابد من تأكيد أنه مهما استقوت الرأسمالية الطفيلية الإسلامية، ومهما تمادى طغيانها فإن النصر حليف المزارعين، وذلك لا لأي سببٍ آخر سوى أن المزارعين وطيلة تاريخهم لم يعرفوا للنصر بديلاً.

ولتحيا ذكرى القادة التاريخيين الأماجد:

الشيخ المرحوم الأمين محمد الامين

الشيخ يوسف أحمد المصطفى

الشيخ المرحوم عباس دفع الله

الشيخ المرحوم عبد الله برقاوي

وبقية العقد المنضود.

  • الكاتب: خبير اقتصادي

 

 

التعليقات مغلقة.