عثمان شبونة وذكرى أكتوبر!!

  • 29 أكتوبر 2017
  • لا توجد تعليقات

سيف الدولة حمدناالله

كلما وقع بصري على مقال للصحافي عثمان شبونة شعرت بالخجل من نفسي وتجددت عندي الرغبة في هجر الكتابة تبِعاً لذلك، وشعرت بأنني بالفعل مُعارض “كيبورد” كما يُعايَر أمثالي ممن يكتبون من على البعد وهم في مأمن، مثل الذي يجلس على مقصورة ملعب كرة وهو يُطلِق التعليقات على أداء اللاعبين في الميدان فيطرب لها من حوله من المتفرجين وهو عاجز عن ركل الكرة مسافة متر، ويتملكني إحساس بأنني كاتب تسلية وعدْل مزاج لا صاحب قضية، فالفرق أن شبونة لديه من الشجاعة ما يجعله يصرخ بأعلى صوته في أذن الضبع المفترس وهو معه داخل القفص.

الذي يظلم شبونة، أنه يدفع ثمن أخطاء غيره من الذين تقدموا صفوف الجماهير وظهروا كأبطال ومناضلين ثم إتضح أنّ نباحهم كان بهدف أن يُلقِي عليهم اللص بقطعة من اللحم المسروق، فتركوا اللص وإنهمكوا في نهش قطعة اللحم، وهؤلاء كانوا على دراية بأنه كلما إرتفع صوت النِباح وتأثيره على اللص زاد حجم نصيبهم في المسروق، فاللص يستطيع أن يتخلّى عن أي قسمٍ من المسروق حتى لا يتستيقِظ المسروقين وينتهي إلى قسم الشرطة.

الذي ظلم شبونة، أنه جاء إلى هذه الدنيا في الزمن الخطأ، وجد فيه أن كثيراً من رجال السودان (ونسائه أيضاً) قد أصبحت مبادؤهم للبيع ولها ثمن في السوق، والواحد منهم لديه إستعداد لأن يفعل ذلك بالسهولة التي يُسوّي بها شنبه، فالذين إلتحقوا بصفوف النظام من المُعارضين السلميين وحَمَلة السلاح لم يفعلوا ذلك لأن النظام قد غيّر في منهجه وسار في الطريق السليم، فقد إختاروا مُشاركته في الثروة لا في السلطة، ثم إنغمسوا معه في ضلاله وفساده.

قَدَر عثمان شبونة، أنه جاء في زمن لم يعد يكفي فيه أن يقول فيه الشخص عن نفسه أنه غير راغب في السلطة، وأن وقوفه في وجه النظام من أجل رخاء الوطن لا رخاء نفسه، فقد حنث كثيرون بالمواقف التي كانوا يقولون أنهم يناضلون من أجلها، حتى بات المرء يكاد يقتنع بأن الذين لم يقعوا في شراك النظام هم الذين لم تُعرض عليهم الفرصة للمشاركة فيه، حتى أن ذاكرة المرء لا تسعِفه لأسماء أشخاص كثيرين عُرِضت عليهم مواقع في السلطة ورفضوها، أو عُرضت عليهم فُرص تحقيق مكاسب من مصادر تتعارض مع مبادئهم وقناعاتهم ولفظوها، وهنا لا بد من أن نذكر ما رُوُي عن شاعر الشعب محجوب شريف أنه رفض قبول هدية عبارة عن سيارة من أحد الأثرياء الجدد الذين لا يُعرف لأموالهم مصدر معلوم، وقيل أن محجوب أعاد السيارة مع المندوب الذي أحضرها له في المنزل، ويُذكر أن كثيرين من رموز المجتمع من بينهم شعراء ومطربون وأصحاب مهن قد حفيت أقدامهم من السعي وراء نفس الثري.

قيمة عثمان شبونة وأمثاله من الشباب، أنهم يُشكّلون نواة إستعادة القِيـَم التي ضاعت، ففي السابق كان العيب عيب، والجدعنة جدعنة، وكان الذي ينتهك حرمة مال عام أو خاص أو ينتهك عرض فتاة يمشي مطأطأ الرأس ولا يستطيع أن يرفع عينه عن الأرض، فقبل “الإنقاذ” ( نظام الرئيس عمر البشير)  كان للفساد والجريمة أهلها وللفضيلة والصلاح رجاله، ولم يكن هناك من يجمع بين الصفتين، وكان الفساد عاراً يجلب الإحتقار لصاحبه، ومع “الإنقاذ” ذابت المسافة بين الفضيلة والرذيلة وتلاشت الفوارق بينهما، فأصبح لكل فاسد مريدون وأحباب يسبّحون بحمده وينتظرون عطفه وعطاياه، وأصبح الفاسد يُقابل رئيس الجمهورية، ويتبرع من أمواله المسروقة لأجهزة الدولة فتقبلها، وأصبح اللص يتقدم الناس في الصلاة ويحج البيت الحرام كل عام، ويصوم كل إثنين وخميس، وتتسع غرّة صلاته  بقدر إتساع ذمته.

الذي يواسي شبونة ويجعله يصبر وأطفاله على مصارعة الحياة من أجل الحصول على رغيف خبز “حاف” بعد أن قفل النظام أمامه كل وسائل كسب العيش بمنع أصحاب العمل – الناشرين – عن توظيفه، الذي يُواسي شبونة في هذا الواقع الأليم أن هناك شباباً مثله ضحوا بدمائهم وأرواحهم من أجل الوطن دون مقابل، حتى أن أسماءهم قد سقطت من ذاكرة الشعب، ولو سألت واحداً من أبناء جيل اليوم عن إسم بطل ثورة أكتوبر “القرشي” لقال لك أنه صاحب حديقة بالخرطوم ثلاثة، فقد أصبح تاريخ 21 أكتوبر يأتي ويمضي مثل أيّ يوم، سوى ما يتبادله بعض المخضرمين من مقاطع لنشيد الملحمة على تطبيقات التواصل الإجتماعي.

في ثورة أبريل 1985 التي إنتهت بسقوط نظام مايو العسكري (نظام الرئيس السابق جعفر نميري) ، سقط عشرات الشباب بالرصاص في “منطقة الشجرة” وأحياء أخرى في الخرطوم ومدن السودان الأخرى، ولا يعرف أحد أسماءهم أو حتى عددهم، وقد سقط في هذا العهد مئات الشهداء وقد مرت الذكرى الثالثة لأكبر مجزرة في تاريخ السودان الحديث دون أن يتوقف الشعب عندها كثيراً، والذين قطفوا ثمار نضال هؤلاء الجنود المجهولين بالحصول على المناصب والإمتيازات، كانوا يجلسون في بيوتهم يتابعون أخبار الثورات من شاشة التلفزيون، وهم اليوم حلفاء لنظام عسكري أسوأ وأضل من الذين قامت في مواجهتهم ثورتي أكتوبر وأبريل.

هذه لمسة وفاء لأبناء هذا الجيل من الشباب الصامدين الذين يُمثّلهم الصحافي عثمان شبونة، الذين يمنحوننا الأمل في مستقبل الوطن ومقدرتهم على إحداث التغيير، فعظمة هذا الجيل أنه شقّ طريقه في النضال طلباً لحرية وعدالة لم يذوقوا طعمها، ولم يكن لهم يد في ضياعها، فأكثر هؤلاء الشهداء خرجوا إلى هذه الحياة ووجدوا أن كل التجربة السياسية للأحزاب الكبرى في فترات الديمقراطية قد ذهبت مع الريح، والأمل في أن يستطيع هؤلاء الشباب بناء تجربة جديدة يتفادون بها أخطاء آبائهم من الجيل السابق، تقوم على الإخلاص في خدمة الوطن والطهارة والشفافية.

شكراً شبونة ورفاقه من الشباب وأنتم تعطون دروساً لأعمامكم من الأجيال السابقة مِمّن إنكسروا من رموز الأحزاب بالحد الذي يجعل “شِيبة” مثل أحمد بلال يقول أنه وبإسم الحزب الإتحادي الديمقراطي يُطالب بتعديل الدستور وترشيح البشير لرئاسة السودان لخمس سنوات إضافية. ثم يأتي من يسأل: لماذا خبأت ذكرى أكثوبر وأبريل !!

*الكاتب: مستشار قانوني

saifuldawlah@hotmail.com

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*