رحيل آخر أهرامات الصحافة (1-3)

رحيل آخر أهرامات الصحافة (1-3)
محجوب محمد صالح
  • 19 فبراير 2024
  • لا توجد تعليقات

صديق محيسي

محجوب محمد صالح ذاكرة بصرية حتى فى الشيخوخه

ولد محجوب محمد صالح 12 ابريل سنة 1928 بحلة حمد بالخرطوم بحري من اسرة كانت تعمل في النقل النهري, كان خط السكة الحديد الذي بناه الانجليز ينتهي عند هذه المدينة لكن كبري النيل الازرق لم يشيّد ويفتتح الا في العام 1910 وبذلك صارت الخرطوم بحري مركز مواصلات عندها ينتهي الخط الحديدى, ومنها يبدأ النقل النهري وبالتالي اصبحت مركزا تجاريا حديثا وزاد من اهميتها نقل الادارة البريطانية مصلحة النقل النهري اليها فنشأت مدينة بحري امتداداً لاثنين من الاحياء العريقة,حلة حمد وهوعلى اسم الفقيه حمد ود مريوم ,وحي قبة خوجلي على اسم الفقيه الاخر خوجلي ابو الجاز, وكان سكان الحيين يمتهنون مهنة الزراعة وهي المهنة السائدة في ذلك الزمان .
يروي محجوب في تسجيل اجريته معه عام 2009 وهو فى زيارة للدوحة .

كانت بحري ذات طابعبن طابع حديث بحكم وجود المصالح الحكومية البريطانية , وطابع رعوي مرتبط بالزراعة , واخر مرتبط بالصناعة, اكمل محجوب المرحلة الإبتدائية بمدرسة الخرطوم بحري عام 1942,بعدها انتقل الي كلية غوردون وكانت بدرجة الثانوية حيث سعى البريطانيون الي إعداد المبرزين من الطلاب للإستفادة منهم في السلك الاداري والكتابي والحسابي, التحق محجوب بالحركة السودانية للتحررالوطني المختصرة “بحسدتو” آخر العام 1946 حيث مارس من خلالها نشاطه السياسي ضد الادارة البريطانية وتحولت حسدتو بعد ذلك إلى الجبهة المعادية للاستعمار ومن ثم الي الحزب الشيوعي السوداني, وفي العام 1947 التحق بكلية الاداب وفي العام 1948 انتخب نائباً لسكرتير لجنة اتحاد طلبة الكلية الجامعية واصبح السكرتير عام 1949 ولقيادته لاضراب طلابي فصل محجوب ومعه زميلاه اليساريان الراحلان مصطفى السيد ,والطاهر عبد الباسط من الكلية .

شاءت الصدف ان يعين جمال محمد احمد اول عميد لشئون الطلاب بكلية الخرطوم الجامعية فتعهد لمحجوب ان يعيده مرة اخري الي الكلية لمواصلة دراسته ولكن محجوب اعتذر عن العودة واخبر جمال بأنه راغب في العمل بالصحافة ,وهنا اشار اليه جمال اذا كان الأمر كذلك فان محمد ابراهيم خليل قد ترك صحيفة سودان استار الأنجليزية ,وبشير محمد سعيد ارسل في بعثة الي بريطانيا لدورة صحفية وهناك فرصة للعمل فيها ونصحه بالذهاب الي صحيفة “سودان استار” لعله يجد فرصة فيها,وبالفعل اختير محجوب ليعمل في الصحيفة الانجليزية وفي الوقت نفسه اختاره احمد يوسف هاشم ليعمل معه في صحيفة السودان الجديد العربية, وفي الصحيفتين قويت ملكته الصحفية فأكتسب خبرة في مجالين للمهنة بالعربية والانجليزية معا ,ففي الانجليزية تدرب علي يدي رئيس التحرير البريطاني السيد هيسلوب اولاً ثم مدير التحرير جاك هوبلر ثانياً ,وفي العربية علي يدي ابو الصحف احمد يوسف هاشم الذي عمل صحفياً في مصر والسودان منذ الثلاثينيات متسلحا بالخبرة الصحفية المصرية ,كانت رغبة محجوب في البداية ان يعمل مدرسا حيث كان للتعليم بريق خاص يجذب اليه المتعلمين من ابناء ذلك الجيل وبالفعل سعى للعمل بالمدارس الاهلية فأختير مدرسا في مدرسة الفاشر ,ثم الابيض ولكن السلطات البريطانية اعادته مرتين من محطة السكة الحديد خوفا من ان ينقل عدوى المعارضة اليسارية الى الطلاب.

يلقى محجوب الضوء ان سنة 46 كان سنة مهمة في تاريخ الحركة السياسة السودانية ففيها وقعت ثلاثة احداث هامة ,اولها كان سفر اول وفد سوداني للقاهرة ليطرح رؤية السودان في مستقبل الوطن وتحريره من الاستعمار بان تعقد حوله محادثات مصرية انجليزية كان موضوع السودان ضمن اجندتها, وثانيها منحت مصر بعثات دراسية للطلاب السودانيين وبهذا اصبح التحاق الطلاب السودانيين بالجامعات المصرية عملاً مشروعاً بعد ان كانوا يتسللون خلسة ,وثالثها قرار الادارة البريطانية تحويل كلية غردون الي كلية جامعية , ثم تأسيس اول حركة ماركسية في السودان ,فأعطت هذه الأحداث الثلاث دفعة قوية للعمل السياسي فرافق ذلك حيوية كبيرة في الحياة الصحفية.

في صحيفة «سودان ستاندرد» التقى محجوب بالراحل بشير محمد سعيد الذي سبقه في المهنة بأربعة اعوام ومع ذلك تزاملا وسارا معا مشوار المتاعب سنين عددا.
اقترح بشير علينا محجوب عثمان وانا ان نصدر صحيفة يومية خاصة تتميز بالمهنية والجرأة وتدخل نوعاً جديداً من الصحافة ,وكانت فكرة جيدة ولكنهم ما كانوا يملكون مالاً!! فكانت «الأيام» في العام 1953 اي بعد اربعة اعوام من التحاقي بالصحافة.

بشير الحاوى
يروي محجوب قصة الايام كيف كانت فكرة ثم تحولت الي مشروع متكامل فيما بعد , يقول بعد نلنا التصديق قررنا شراء كمية من الحروف الرصاصية للصف اليدوي ومطبعة قديمة بدائية من مصر بمبلغ زهيد واجرنا لها موقعاً في عمارة ابوالعلا القديمة بالقرب من عمارة الصحف الاستقلالية, كان العمال يجمعون الصفحات يدوياً ويرصونها في قالب حديدي ثم يربط القالب بخيط متين لتكون المرحلة التالية هي مرحلة الطباعة , لم نكن نتقاضي رواتب من الصحيفة لأن دخلها ما كان يكفي في بداية العمل ,وكنا نعتمد علي الإجور التي تأتينا من مراسلاتنا الصحفية الخارجية , فقد كان بشير مراسلا لوكالة الأنباء العربية “الشرق الاوسط “فيما بعد وكنت انا مراسلا لوكالة رويتر ومحجوب عثمان مراسلا لوكالة اسوسيتدبرس هكذا بدأت الا يام مشوارها الطويل .
يروي محجوب كان بشير ذات يوم في مهمة شراء ورق طباعة من شركة برسميان بالخرطوم فالتقى هناك مندوبا من الشركة البريطانية المنتجة لماكينات الليونوتايب للجمع الآلي فأتفق معه علي شراء ماكينة صف آلي بالاقساط ولم يكن يدري من اين يوفر هذا المبلغ , ولكن بجهده الفائق والمميز استطعنا ان نسدد الأقساط فكانت اول ماكينة جمع ليونتايب تمتلكها صحيفة خاصة مما اعتبر نقلة نوعية في عالم الصحافة السودانية في ذلك الزمان ,بعد ذلك جلب بشير ماكينة طباعة مستعملة اثناء زيارة له الي مصر,تلك كانت قفزة هائلة في طباعة الصحف السودانية يومذاك فتحسن شكل الايام الإخراجي وزادت سرعة الطباعة فأدي ذلك الي ازدياد التوزيع حتي تفوقنا علي الراي العام التي كانت تسيطر علي الساحة

الأيام صباحية

في خطوة جريئة قررنا مخالفة الصحف الأخري لنصدر الايام صباحية بدلا من مسائية حيث كانت كل الصحف مسائية والموظفون يشترون الصحف وهم ذاهبون الي بيوتهم فقلبنا الاية ليشتري الموظفون الصحف وهم ذاهبون الي اماكن اعمالهم وهكذا كانت الايام اول صحيفة سودانية تصدر صباحا .
يقول محجوب بدأت الصحافة من اسفل السلم وإنخرطت في العمل الميداني كضرورة علي اي صحفي في سني ان يقوم بها , وبعد ان انخرطت في المجتمع السياسي وتوسعت دائرة مصادري السياسية والإجتماعية ابتعثت عام 1952الي بريطانيا بمنحة من المجلس الثقافي البريطاني لقضاء دورة صحفية لمدة ستة اشهرفي صحيفة “الديلي اكسبريس” وبعض الصحف الاقليمية, وكانت تلك اول خطوة في إكتساب التجربة العالمية.

عدت من بريطانيا لأطبق ما تعلمته من فنون الصحافة خصوصا الدقة في نشر الخبر واركانه التي لم تكن معروفة في الصحافة السودانية وبذلك تخلصت من اللغة الانشائية في صياغة الأخبار معتمدا علي المباشرة في الوصول الي المعني,وهناك ايضا عرفت كيف يتحول الخبرالي تحقيق صحفي , وما هو الفرق بين المقابلة الشخصية , والتحقيق الصحفي .
نفى محجوب ان تكون الأيام كانت تدار بثلاثة طرق يمين يمثله بشير محمد سعيد ,ويسار محجوب عثمان ,ووسط يمثله هو قائلا ان منذ بداية الشراكة تم الإتفاق علي ان تكون الصحيفة مستقلة تماما وان يعبر كل من الشركاء عن رأيه الذي يؤمن به في عموده الخاص ,وكنا فعلاً ننتمي لمدارس فكرية مختلفة, فبشير كان اميل الي الجبهة الإستقلالية ويقف ضد وحدة وادي النيل وقريب من حزب الأمة وصديقا شخصيا للسيد عبد الرحمن المهدي راعي الأنصار, اما محجوب عثمان فقد كان إتحاديا وكان سكرتير حزب الاتحاديين في بورتسودان وحوكم وسجن بسبب قيادة مظاهرات ضد الجمعية التشريعية وفصل من عمله قبل ان يلتحق بالحزب الشيوعي السوداني, اما انا فقد كنت يساريا التحقت بالحركة السودانية للتحرر الوطني اول تنظيم ماركسي في السودان ، يمضى محجوب ان ما ميّز الايام عن الصحف الأخري من الناحية الخبرية هو الإستفادة من اصدقائها الذين كانوا يمدونها بالأخبار من وقت الي اخر ومن هؤلاء داؤود عبد اللطيف , جمال محمد احمد ومحمد عمر بشير, وفخر الدين محمد.

علي هذا النحو كانت تدار الآيام جريدة مستقلة في خطها التحريري ,وغير مستقلة في مواقف واراء اصحابها كان تعريفناً للاستقلالية عدم انحياز (الصحيفة) كمؤسسة لأي حزب سياسي اما محرروها فاحرار في خياراتهم السياسية وملتزمون بمصداقية الخبر ومهنيته وغير (محايدين) تجاه القضايا الوطنية

محجوب يروى تجربة الأيام مع نظام عبود من عبود جومبى الى منتوقمرى

2 – 3
صديق محيسى
في مواجهة اول نظام عسكري يحكم السودان يروي محجوب تجربة الايام مع ذلك النظام , الصحافة في عهد عبود كانت تتحرك في هامش ضيق على صعيد الخبراوالتعليق, وكانت هناك لائحة من الممنوعات لاتترك اي مجال للإجتهاد في الحصول علي الاخبار الحرة ,جاء ذلك عبر تعليمات صارمة تفرض على الصحف ألاينشر اي خبر يتعلق بنشاطات الحكومة إلا من النشرة الإخبارية الرسمية التي كانت تصدرها يوميا وزراة الإستعلامات والعمل فقد جمد نظام عبود قانون الصحافة لعام 1930 كما حل اتحاد الصحافة , والغي عضوية ممثل الصحافة وهو رئيس الإتحاد في لجنة التصديق علي الصحف ولكن بعد مشاورات جانبية قبلوا ان يكون بشير محمد سعيد عضوا في اللجنة بصفته الشخصية وليس ممثلا لإتحاد الصحفيين المحلول.
كانت هناك تقارير يومية تقدم من مكتب خاص بوزارة الإستعلامات الي وزارة الداخلية عن اداء الصحف اليومي وهي ما يمكن ان نطلق علية رقابة ما بعد النشر وعمل في هذه الوظيفة كل من محمد الحسن احمد وعوض عبد الرازق , ومحمد الخليفة طه الريفى، أما على صعيد الكتابات فلم يكن مسموحاً بنشر أيّة مقالات تهاجم أو تنتقد أداء الحكومة، من بين تلك الصحف التي لم تتقيّد كثيراً بتوجيهات الحكومة العسكرية، كانت صحيفة الأيّام التي أخذت ضمنياً موقفاً معارضاَ للنظام العسكري، فنالت من العقوبات التي وصلت إلى حد الإغلاق أكثر من مرة. أما الصحف الأخرى فقد تلقت إنذارات وتحذيرات ولفت نظر من حين لآخر، ولكن أي منها لم يوقف عن الصدور إلا قليلاً ولأيام فقط – يقول محجوب محمّد صالح : “إنّ الصحيفة (الأيّام) أوقفت ثلاث سنوات ونصف السنة على مرتين خلال ست سنوات عمر الحكم العسكري الاول، وكان التعطيل الأول في يناير 59 عندما اعترضت الأيّام على محاكمة قادة العمال امام محكمة عسكرية واطلقت عليها اسم محاكمة “نوربيرج “اشارة للمحكمة التي انشأها الحلفاء لمحاكمة القادة النازيين مما اغضب السلطات فلجأت الي التعطيل.وكان الأستاذ بشير محمّد سعيد كتب في عموده اليومي مقالاً هاجم فيه تلك المحكمة العسكرية التي مثل امامها كل من الشفيع أحمد الشيخ سكرتير اتحاد العمال، ومحمّد السيد سلام رئيس الاتحاد، و قاسم أمين ومحمد احمد عمر وطالب الحكومة أنْ تقدمهم إلى محاكم مدنية يكون فيها حق الدفاع عن أنفسهم مكفولاً، لكن الصحيفة عاودت الصدور بعد انقلاب الرابع من مارس 1959 والذي عرف بحركة (شنان) وقادها معه اللواء محي الدين أحمد عبد الله الَّذي كان متهماً بانتمائه إلى الحزب الوطني الاتحادي، لكن الصحيفة اغلفت مرة ثانية بسبب نقدها للنظام ومن ضمن الممنوعات كان نشر اخبار الفساد الذي رافق بناء قري حلفا الجديدة بعد ترحيل اهالي حلفا القديمة اليها غير ان لأيام كان تتحايل علي المنع بمطالبتها تشكيل تحقيق في هذا الموضوع او ذاك.

كانت السلطة العسكرية تنظر دائما إلى صحيفة الأيّام نظرة شك وريبة، بلْ إنّ بعض رجال الحكم كانوا يرون أنّ هذه الصحيفة تفتح صفحاتها للأقلام الشيوعية وذلك لوجود محجوب عثمان القيادي في الحزب الشيوعي السوداني في قيادة تحريرها، وبالفعل فإن (الأيّام) كانت تنشر مقالات لعدد من الكتاب الشيوعيّين منهم عبد الخالق محجوب سكرتير الحزب وعبد الرحيم الوسيلة، ومحمّد سعيد معروف، وسيد أحمد نقد الله، وحسن الطاهر زروق، وقد غضبت السلطة أيما غضب عندما نشر الكاتب محمود جاد كريم وهوعضو بالحزب الشيوعي- سلسلة مشاهدات من زنجبار حيث وقف هناك على المذبحة التي وقعت ضد السلطان العربي عام 1962 وقتل فيها آلاف العرب وألقيت جثثهم في المحيط الهندي، ومحمود جاد كريم كان أحد الكتاب اليساريّين الَّذين ينشرون في (الأيّام)، وكان القراء ينتظرون مقالاته تلك لما فيها من غمز ولمزللنظام العسكري، وقد تضايق كبار رجال الدولة العسكريين عندما سخر جاد كريم من عبود جومبي أول رئيس وزراء لزنجبار التي اندمجت فيما بعد مع تنجانيقا وصارت دولة واحدة هي تنزانيا، وكان يذكر اسم عبود فقط دون أنْ يذكر اسم أبيه، مما اعتبره النظام نوعاً من النَيل من الرئيس إبراهيم عبود، فعلى الفور اتصلت وزارة الداخلية وطلبت من رئيس التحرير بوقف تلك المقالات، ومُنع جاد كريم من الكتابة ولكن المقال الَّذي أثار الأزمة كان عملياً هو آخر مقال في سلسلة مشاهدات صحفي في زنجبار والتي كان قد زارها في العام نفسه. ويروي محجوب ان الايام تلقت انذارا قويا من وزارة الإستعلامات عندما نشرت خبرا مثيرا كان عنوانه (إنقلاب17عربة سكة حديد في خط بورسودان) مما اثار حفيظة النظام وكاد ان يغلق الصحيفة لولا ان بشيرا هدأ من روعهم نافياً بأن يكون الرقم 17 مقصود به التورية ضد الحكم. وقد تخاطف الناس في ذلك الصباح أعداد صحيفة الأيّام لقراءة الخبر المثيرالمزدوج المعنى، فالَّذين نظروا إلى ماوراء الحادثة وقفوا ملياً أمام العنوان المثير والَّذي ارتبط بأذهان العديدين بأنّه يعني انقلاب 17 نوفمبر وسارع وكيل وزارة الداخلية للاتصال برئيس التحرير بشير محمّد سعيد العنوان محذرا ومهددا اياه من العودة لمثل هذه الاساليب ,وإلا فأن السلطات لن تتواني في تعطيل الجريدة. يقول محجوب ان الذي كتب العنوان هو مصطفي امين وليس محجوب عثمان كما اشيع يومذاك , يروي محجوب. كان نظام عبود يريد هدؤا عاما في أنحاء البلاد حتي المشاكل الرياضية كان ممنوع علي الصحافة الخوض فيها , واذكر كيف طلب من الصحف وقف نشر اخبار”الفكي ابو نافورة” وحكاية الفكي ابو نافورة للأبناء هذا الجيل هي ان عينا للماء تفجرت جنوب القضارف بسبب الضغط الارضي في شكل نافورة فأستغل ذلك احد المشعوذين وأدعي انه هو الذي فجر هذه العين موهما الناس بأن مياهها تعالج كل الأمراض , فأندفع الناس من جميع انحاء البلاد الي القضارف صوب هذه العين مما ترتب علي ذلك ظهور مرض الكوليرا من كثرة الجموع التي اقامت في معسكرات بالقرب من النافورة حتي جاءت الشرطة واغلقت النبع واعتقلت المشعوذ الذي جني ارباحا كبيرة من بيعه الطين للبسطاء. ليس هذا وحده بل ان وزير الإستعلامات طلعت فريد كان يطلب من الصحف الا تهاجم الفريق القومي لكرة القدم اذا انهزم في مباراة خارجية او داخلية.

وفي سيرة حساسية نظام عبود من الأيام يقول محجوب انه ذات مرة تم استدعائي الساعة السادسة صباحا الي مكتب وزير الداخلية محمد مجذوب البحاري وكنت قلقا ومتوترا من ان هذا الإستدعاء المبكر لابد وان يكون لإمر جلل , وعندما وصلت مبني الوزار وجدت الوزير البحاري ومعه طلعت فريد في انتظاري والأيام موضوعة علي سطح المكتب , وعندما دخلت بادرني اللواء طلعت بقوله غاضبا ما هذا الذي نشرتموه هل تظنون اننا اغبياء, اتسخرون منا ؟, فإندهشت لهذا الهجوم المباغت وقذف بالصحيفة الي وقال لي اقرأ هذا الخبر وكان الخبر المنشور هو تصريح للرئيس الأمريكي ايزنهاور قال فيه ان الجنرال مونتغمري كان عسكريا ممتازا,ولكنه لايفقه شيئا في السياسة , وهكذا فسرها اللواء طلعت باننا قصدنا ان نقول ان العسكريين لايفقهون شيئا في السياسة! غير انني اكدت لهما اننا لم نكن نقصدهم عندما نشرنا الخبر فهو يعتبر صحفيا خبر عادي ومع ذلك حذراني من نشر هذا النوع الأخبار
يتبع

التعليقات مغلقة.