حول توصيات مؤتمر “يوم الأرض” في قرية “معيجنة مصطفى” (1)

  • 28 ديسمبر 2017
  • لا توجد تعليقات

صديق عبد الهادي*  

(1)

الزمان والمكان، المعنى والدلالة:

انعقد في يوم 21 اكتوبر 2017، ضمن فعاليات “يوم الأرض”، مؤتمر مشهود، ماثل في زخمه مؤتمر المزارعين التاريخي المنعقد في شهر أكتوبر 1953، في مدينة ود مدني، الذي حضره 792 عضواً، يمثلون 44 “تفتيشاً”، وهو عدد “التفاتيش” التي كانت تكِّون مشروع الجزيرة، وقتها.

انتخب المؤتمر لجنة مركزية برئاسة الشيخ المرحوم الأمين محمد الأمين، وأختار المرحوم الشيخ المرحوم يوسف أحمد المصطفى سكرتيراً عاماً، وسكرتيراً للخزينة اختار الشيخ المرحوم عباس حمد دفع الله. وقد كان هؤلاء هم بعض من القادة الذين تقدموا حركة المزارعين، وانتزعوا شرعية اتحادها في يوم 29 ديسمبر 1953، وذلك بعد موكبهم الشهير الذي اندرج في تاريخنا الحديث تحت اسم “موكب المزارعين في ميدان عبد المنعم”.

منذ قيامه لم يتوان الاتحاد في لعب دوره، لا مهنياً ولا وطنياً، حيث حافظ على وحدة حركة المزارعين ليس في مشروع الجزيرة والمناقل وانما على حركة المزارعين في عموم السودان. كما أنه لم يتقاعس في مساندة أحداث التغيير الوطنية الكبرى، إذا كان في استقلال السودان 1956 أو اكتوبر 1964 أو أبريل 1985. ولكن مساهمته في ثورة اكتوبر كانت الأبرز، والأعلى كعباً.

إن الشيخ المرحوم الأمين محمد الأمين، رئيس أول اتحاد شرعي، من قرية معيجنة مصطفى، التي انعقد فيها مؤتمر “يوم الأرض” مؤخراً. فبالتالي لا شهر أكتوبر ولا قرية معيجنة مصطفى، كان اختيار أي منهما صدفة!، وإنما كان استلهاما لروحٍ باسلة ونشداناً لاستدعاء تاريخٍ مجيد، وذلك لأجل صياغة رسالة ذات مغزى، وهي التذكير بان جذوة الكفاح ما زالت حية وباقية، وكذلك التأكيد بان حركة المزارعين قد عقدت العزم على حماية الأرض في وجه الطواغيت. وهنا كَمُنَ المعنى وبانتْ الدلالة! وقد عبرت عنهما، نصاً وروحاً، مقررات وتوصيات مؤتمر “يوم الأرض”، التي نحن بصددها.

كانت أولى توصيات المؤتمر واكثرها أهمية، هي ضرورة استعادة اتحاد مزارعي الجزيرة والمناقل، الممثل الشرعي لإرادة المزارعين. معلومٌ، انه لا حركة مطلبية بدون قيادة وتنظيم، أي لا جسد حي بدون قلبٍ نابض، ومزارعو الجزيرة أدرى الناس بتلك الحقيقة “الوجودية” و”التاريخية” و”النضالية” المهمة، والتي هي مرتكز كل “وجودٍ” وموجهة كل “صراعٍ اجتماعي”!. فكل ما تحقق، وعبر تاريخ المشروع، من إنجازات إذا كان فيما يتعلق بحياة المزارعين بشكل خاص، أو فيما يتعلق بمساهمة مشروع الجزيرة على المستوى الوطني بشكل عام، فقد كان لاتحاد المزارعين ولقادته القدح المعلى والدور البارز فيه. ولا مراء في ذلك! ولكن، وبرغم ذلك، ها هو التاريخ الآن وفي هذه اللحظة يعيد نفسه بشكلٍ أو بآخر في عرضٍ “تراجيكوميك”، يتراوح فيه بين المأساة والملهاة!

كانت اتفاقية العام 1952 بين السودان ودولتي المستعمر، بريطانيا ومصر، تعطي الحاكم العام حق إعلان الانهيار الدستوري ومن ثم إعلان الطواري إذا كان هناك ما من شأنه أن يهدد الاستقرار. وهي الحجة التي توعد بالاستناد عليها السير جيمس روبرتسون، السكرتير الإداري وقتها، في مواجهة موكب المزارعين في 29 ديسمبر 1953، المطالبين فيه بالاعتراف باتحادهم.

الآن وفي مواجهة استعادة “نفس الاتحاد”، والتاريخ يعيد نفسه، يتوعد نظام الرأسمالية الطفيلية الإسلامية،(رطاس)، ربيب الاستعمار الحديث، يتوعد بتطبيق حالة الطوارئ!. ولكن ماذا حدث، وبما نطق التاريخ؟!، خضع المستعمر لإرادة المزارعين الغلابة!. عليه، فما فشل في إنجازه المستعمر لن ينجح فيه وكلاؤه!. وقد قالها جمع المزارعين بقيادة التحالف في معيجنة، وبوضوحٍ لا لبس فيه:

“وفاءاً لتاريخ نضال المزارعين المجيد من أجل تأمين حقهم الطبيعي والشرعي في تنظيم انفسهم، وتقديراً للتضحيات الجسام التي بذلها الرواد من الرعيل الاول….وتصميماً على خوض معارك العزة والحق في العيش الكريم في وطن ديمقراطي، تظلله رايات الحرية والعدالة الاجتماعية والتسامح، يقرر مؤتمر المزارعين المنعقد في نهار يوم السبت 21 اكتوبر 2017 بقرية معيجنة مصطفى، محل إقامة ومربض قائد حركة المزارعين ورمز كرامتهم، الشيخ الأمين محمد الأمين، يقرر المزارعون بكل قوة وجلاء أنه من رأي هذا المؤتمر :

على تحالف المزارعين البدء فوراً في تنفيذ الإجراءات التي تضمن إعادة بناء الاتحاد”!.

إن الناظر غير المتحيز لهذه الدعوة، سيتبين انها ليست ترفاً خطابياً، ولا حشواً لفظياً ولا استطرادا لغوياً، وانما هي دعوة صميمة وحقيقية، وقد أملتها ضرورةٌ تاريخية ماثلة.

إن عودة اتحاد مزارعين ديمقراطي في مشروع الجزيرة تعتبر، وبكل المقاييس قضية وطنية، وهي ليست فقط مسئولية مزارعي الجزيرة والمناقل، وانما هي مهمة تستدعي تضامن كل القوى الوطنية من افراد ونقابات واتحادات، إن كانت مهنية أو عمالية. تتطلب المساندة من القوى الحية وسط الشباب والنساء والطلاب، كما أنها تحتاج لأن تكون محط تركيز وانتباه القوى السياسية السودانية بكل احزابها ونشطائها. والحقيقة، التي تسند القول بكل ذلك هي، أنه ما وصلت البلاد إلى هذا الحد من التدهور إلا بسبب الانهيار المريع الذي حاق بمشروع الجزيرة، ومن أهم العوامل التي ادت اليه هو الغياب القسري لاتحاد المزارعين، وبالتالي مصادرة دوره كصمام أمان وحارس أمين ونزيه، فاطنٌ لبعد الدور الوطني المنوط بالمشروع.

*خبير اقتصادي بالولايات المتحدة الأميركية 

Siddiq01@Sudaneseeconomist.com

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.