صراع الأجندة الدولية والإقليمية في القرن الإفريقي

عبدالله الصادق الماحي
  • 03 أغسطس 2018
  • لا توجد تعليقات

شهدت إفريقيا بشكل عام وإقليم القرن الإفريقي بشكل أدق أحداثاً مهمة في الأسبوعين الأخيرين كانت من أهمها زيارة الرئيس الروسي جنوب إفريقيا، واعلانه حلفاً تجارياً جديداً إفريقياً آسيوياً مثلت روسيا فيه ضلعاً اساسياً. ثم كانت الزيارة المعلنة، وما يشاع عن زيارة أخرى غير معلنة للرئيس المصري عبدالفتاح السيسي الخرطوم، واغتيال مدير سد الألفية (النهضة) في إثيوبيا، وتبادل الزيارات لرؤساء الوزراء في إثيوبيا وإرتيريا، واعلان عودة العلاقات الأزلية بين الجارتين.

وفي المسار ذاته، جاءت عودة العلاقات بين إريتريا والصومال. إن استئناف العلاقات والمنافع كافة بين دول هذه المنطقة وعودتها ككتلة واحدة، يشير إلى انتباه قادة هذه الكتلة ثلاثية الأضلاع إلى جسامة التحديات التي تواجه المنطقة، وإلى أدراكهم أهمية تحقيق أعلى درجات التجانس والتكاتف وتجاوز كل أسباب الخلاف السابقة. وهي منطقة تمثل كتلة متصلة، وتحتضن باب المندب المضطرب، وهذا يجعلها على موقف جيوإستراتيجي مهم جداً في إطار صراع الأجندة والأطماع على المنطقة يتطلب التنسيق العالي ووحدة الخطط والتعامل درءاً لأي صراع مهلك للمنطقة ولإنسانها وثرواتها.

حاول النظام السوداني أن يصنع من زيارة الرئيس السيسي حدثاً يشغل به الرأي العام الداخلي في ظل مظاهر الانهيار الاقتصادي والفشل الوافرة في كل اتجاه، ومحاولاً أن يوهم المراقبين أنه مازال حياً وقادراً على تحقيق مصالح الشعب، من خلال اتفاقات مع الدول الاخرى.

ويأتي الاهتمام بالزيارة محاولة لإيهام الرأي العالمي أنه نظام مثل سائر الأنظمة الدولية ليس معزولاً، ولا يعاني رئيسه أزمة.

لكن الزيارة حملت كثيراً من الريب، وعدداً من أسوأ الاحتمالات، في إطار نظامين عسكريين تدار شؤونهما في الغرف المظلمة، كما أن ما اعلن عن الزيارة في البيان المشترك الذي صدر عنها، لم يمثل مصدر اهتمام أو احتفاء عند إعلام النظامين، كما درجت العادة، من صحافة وقنوات إعلام النظامين المبتذلة. وهذا ربما يؤكد أن وراء الأكمة ما ورائها، وأن الحقيقة أعظم وأكبر من أن يبتلعها هؤلاء الرجرجة من صحافيي الكساد والبوار الإعلامي الوطني، والأيام حبلى يلدن كل جديد.

إن الموقف العام بالإقليم ومآلاته وما يدور حوله وما يحدث من تحركات وأنشطة داخل دول الإقليم يشير وينذر باحتمالات واسعة، وخاصة في السودان الذي أصبح موطئاً للمؤامرات البينية بين دول الإقليم، ومعبرا للمكائد والاستغلال الجائر شبه الاستعماري للموارد الوطنية، وهو يسعى ولمدة طويلة أن يمثل دور السمسار للأطماع الدولية في إفريقيا.

كما أن المنطقة برمتها تشهد ربكة وتقاطعاً لأطماع مراكز قوى وإستراتيجيات دولية للأسف لا تهتم كثيراً بأبعاد تلك الصراعات المحتملة على شعوب المنطقة، والتي خرجت معظم دولها للتو من حروب مدمرة، وصراعات مهلكة، وأصبحت بالكاد تتلمس طريقها نحو الاستقرار؛ على أيدي قادة جدد منتخبين من شعوبهم، ويتمتعون بالحكمة والمعرفة، ومازالوا يحققون نجاحات مشهودة خاصة في منطقة القرن الإفريقي؛ في كينيا وتنزانيا واثيوبيا ورواندا وزيمبابوي، وعلى الطريق حتى الصومال برغم إشكالاتها الجسام.

إن نجاح هذه التجارب في إقليم القرن الإفريقي لابد أنه يزعج القادة الفاشلين داخل الإقليم وتلك الأنظمة غير الديمقراطية من حوله. هذه الدول في الإقليم ومن حول لها مصلحة في عودة هذه الدول مرة أخرى لبيان فشل النظم الديمقراطية الوليدة، وبالتالي فهي ربما تسعى إلى إعادة المنطقة إلى تاريخ الصراعات والحروب المدمرة، من خلال استخدام بعض الأنظمة الأتوقراطية حتى لا تنتقل إليها عدوى الدولة الديمقراطية.

 

الإقليم ظل يشهد اختلافاً على حصص المياه بين الدول المشكلة لحوض النيل، وهو صراع قديم لكنه ظل يتجدد دون أن تتوصل فيه دول المنطقة إلى اتفاق ترضى عنه كل الدول، وصبح الاختلاف يتحول إلى شبه صراع وإلى تكتلات فيما بين دول حوض النيل. ولعل هذا الجدل مرتبط بازياد وعي شعوب دول حوض النيل في المنبع بعد الاستقلال، وامتلاكها قرارها الوطني، فاتفاقية حوض النيل نشأت في ظل الاستعمار، وغيبت عن كتابتها دول الحوض.

كما أن الاحتياجات للمياه قد تزايدت في دول المنبع؛ بسبب التوسع في الزراعة، واستغلال الموارد. وليس بعيداً من الصراع تقاطع المصالح الإقليمية والدولية ومحاولات استغلال هذه التباينات بين دول الحوض في إطار الأجندة الدولية.

ان نموذج الدولة المدنية الناجحة الأداء ذات النظام الديمقراطي الذي يترسخ؛ والقيادة الواعية النظيفة اليد والناجحة الأداء، هذا النموذج يزعج الديناصورات الدكتاتورية بالإقليم وحوله، ويكشف عوراتهم؛ ولذلك فإنهم أهل مصلحة في القضاء على هذا النموذج.

كما أن استقرار هذه الدول ورسوخ تجاربها السياسية سيزيد من اتساع فرص العمل فيها، ويزيد من نموها الاقتصادي، وبالتالي التفاف الشعوب حولها، هذا فضلاً عن ارتفاع وعيها بحقوقها الأصيلة، وهو مأمن شأنه دعم استقلالية قرارها والانحياز لمصالح شعوبها.

هناك الصراع على باب المندب أكبر معابر الطاقة في العالم إلى العالم الأول. وهناك الصراع على سواحل القرن الإفريقي لأهميتها تجارياً، وجيواستراتيجياً، حيث أصبحت السواحل تشهد مركزة للتجارة والثروات الدولية؛ كما هو الحال بالنسبة إلى نموذج دبي. وقد شكل هذا نموذج دبي الناجح عاملاً مهما ومحفزاً للصراع بالمنطقة.

ومن العوامل المحددة لأشكال الصراع بالمنطقة نوع الأنظمة في دول المنطقة وكفاءة القائمين عليها في ظل التحالفات المتقاطعة والمتصارعة بالمنطقة، وصراع القوى العظمى العالمية. هذا عامل مؤثر في تحديد شكل التعامل مع تلك الأطماع والصراعات بالمنطقة من حيث القبول والرفض.

هناك أيضا ترام الرئيس الأميركى الذي يدير أميريكا الآن بعقلية تاجر الحانوت الذي يكتب على مدخل حانوته (البيع نقداً ولا مجال للدين)، هناك الصين بنموذجها الذي فقد كثيراً من صورته في إفريقيا بسبب سوء الأداء والرشاوى والمشروعات الفاشلة أو قليلة الجدوى؛ على الرغم من أنها قد سبقت الآخرين الى إفريقيا، وهناك الهند من بين أسرع اقتصادات العالم نمواً، وهناك الدب الروسي الذي يدخل إلى إفريقيا بقوة الآن، وأصبح ينشئ الأحلاف الاقتصادية الضخمة، ويتطلع باقتدار إلى دور اكبر في الإطارين السياسي والاقتصادي، خاصة بعد حسمه الصراع الداخلي السوري بقوة الردع، والحسم في إطار صراع المصالح الدولية بالإقليم.

هناك أيضاً الصراع الخليجي الإيراني والحروب بالوكالة، وهو صراع انتقل إلى إفريقيا الآن، وخاصة لإقليم القرن الإفريقي، واتسع ليشمل عدة أجندات منها الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري وأصبح يمثل عبئاً عظيماً خاصة على الدول التي فيها أنظمة ديمقراطية، والتي لم تمانع في التعامل مع الخليج إلا في إطار حفظ المصالح، على عكس نظام الخرطوم المنغلق الأحادي الإرادة والساعي بشفقة إلى تحقيق أي شكل من العلاقات الخارجية الملتوية بسبب عزلته، ورئيسه المطارد.

مثلت هذه الأجندة الكثيرة والمتقاطعة أعباء عظيمة على كاهل تلك الدول التي تشهد تحولات داخلية كبيرة.

وفي تقديري أن الحل يكمن في مواصلة تلك الدول مشروعاتها الوطنية الناجحة التي ثبت نجاحها ومن أهمها على المستوى الداخلي ترسيخ النظم الديمقراطية، وتقوية العلاقات البينية، ورفع سقوف التنسيق، وتوحيد الرؤى الإقليمية تجاه الأجندات الخارجية في إطار الإقليم والجوار، مهما كانت التحديات والإغراءات.

كما عليهم أن يحددوا شكل التعامل مع تلك الصراعات الدولية في إطار خطط معلنة وواضحة للعالم، ومجازة من برلماناتها تستهدف مصلحة شعوبها دونما ارتهان لأي جهة، وهذا من شأنه أن يزيد من التفاف شعوبها حولها، ويرفع استعدادهم للدفاع عنها، ويسد ثغرات الاختراقات الوطنية. ويجنبهم إثارة غيرة المتصارعين لكيلا يحولوا المنطقة الى أرض لصراعاتهم، في شكلها المدمر/ وتدفع هذه الدول ثمن ذلك مضاعفاً.

أما مستقبل السودان الأفضل فهو ليس شرقاً ولا شمالاً، ولكنه في إعادة النظام الديمقراطي وفي تمكين دولة المؤسسات والمساوية لمواطنيها في الحقوق، ومن الناحية السياسية والاقتصادية فان الافضل للسودان ان يدخل جزءا في علاقات وشراكات اقتصادية استراتيجية في منطقة القرن الإفريقي ويحتفظ بعلاقات أقل تعلقا وارتباطا من السابق مع الدول العربية التى تختلف دولها مع تطلعات شعبه الى دولة الحرية والحقوق المتساوية فضلا عن ان تاريخ هذه العلاقات مع العرب لم تجلب للسودان ما ينتظره من شراكات اقتصادية ولا احترام وندية في التعامل.

عموماً، فإن المنطقة مرشحة للمزيد من أوجه الصراعات. وأخطر ما يمكن توقعه من تلك الصراعات هو إمكانية ترحيل تلك الصراعات إلى داخل النسيج الاجتماعي والسياسي لتلك الدول، من خلال مجموعات تقوم بالعمل وكلاء للقوى الدولية في بلادها وهو ما من شأنه أن يدمر هذه الدول؛ ولهم في سوريا الأسد نموذج حي لفشل الرهانات الدولية. فلو أن السوريين تحملوا سطوة النظام، ولاذوا بوطنهم وأهلهم، وتوحدوا واعتمدوا على أنفسهم ولم يرتهنوا حتى الذوبان في الأجندات الدولية المتصارعة، لصمدت ثورتهم واستطاعوا هزيمة النظام، ولكن دخولهم في إطار الصراعات على المنطقة قد أفرغ قضيتهم من شرعيتها، وأفقدها القدرة على الصمود، ومن ثم التأثير في نتائج المعركة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.