حكم العسكر والتقييم العقلاني

  • 04 نوفمبر 2018
  • لا توجد تعليقات

محمد حجازى عبد اللطيف سابل

تتداول مواقع التواصل الاجتماعي هذه الأيام وتنشر مقطعاً من حوار بين انديرا غاندي ووالدها جواهر لال نهرو، وحينها كانت يافعة، ولم تتحمل بعد مسؤوليات السياسة ومشغولياتها.

للعلم، السيد جواهر لال نهرو هو مؤسس الهند، ولد في 14 نوفمبر 1889 وتوفي في 27 مايو 1964م.

يعد نهرو أحد زعماء حركة الاستقلال في الهند، وأول رئيس وزراء للهند بعد الاستقلال، وشغل المنصب من 15 أغسطس 1947م حتى وفاته. شغل أيضا منصب وزير الخارجية والمالية.

وهو أحد مؤسسي حركة عدم الانحياز العالمية عام 1961م، وهو من رد على البريطانيين عندما نال الهند استقلاله من بريطانيا العظمى 1947م بأنه يرمى الشعب الهندي في بحر الديمقراطية؛ لكي يتعلموا معنى الديمقراطية، فسخروا منه، فكيف يستقيم أن تقوم ديمقراطية لشعب جله من الأميين والعراة والجياع.

لقد صدق الرجل وتحققت أمنيته فأصبحت الهند من أكثر الدول ديمقراطية، ونمواً وتطوراً وصناعياً وتسليحاً واستقراراً، وهذا رد عملي لكل من يشكك في أن تقوم ديمقراطية في الدول النامية في العالم الثالث، وستبقى في الثالث طالما كانت هنالك انقلابات وشموليات وحكم باسم الدين.

جاء رد الوالد لابنته الصغيرة الكبيرة بعقلها التي بنت شخصيتها من حكم وعبقريات والدها، وسادت الهند، والعالم فيما بعد.

إليكم الحوار، وهو معروف لدى كثير من القراء.

سألت أنديرا غاندي، وهي يافعة حينذاك، والدها الزعيم جواهر لال نهرو:

ماذا يحدث لو سيطر العسكر على السلطة؟

رد عليها: ينهار الاقتصاد.

قالت لوالدها: وماذا يحدث بعد انهيار الاقتصاد؟

أجابها: تنهار الأخلاق.

ألحت أنديرا في السؤال على والدها:

وماذا يحدث أيضاً لو انهارت الأخلاق؟

رد عليها بمنتهى الحكمة:

وما الذي يبقيك في بلد انهارت أخلاقها؟

تخيلوا أباً يربي ابنته على مكارم الأخلاق، وهو لا يدين دين الإسلام، ولم يكن من أهل الكتاب. إذاً هي الأخلاق واحترام الإنسان لأخيه الإنسان بها تسود الشعوب والأوطان.

في نقاش مطول حول حكم العسكر والانقلابات، وكيفية تقنين دور العسكر بالتربية الوطنية والعقيدة العسكرية السليمة ذكر الاستاذ المناضل الجسور علي محمود حسنين بأنه لو استدعى أي ضابط مهما علت مراتبه، وكثرت نياشينه لكى يتقلد منصب الرئيس  أو يشارك فىي تغيير نظام الحكم في دولة من دول العالم المتقدم، ستكون النتيجة السخرية والاستخفاف، وسوف توصف باختلال العقل؛ لأن الضابط والعسكري في تلك الجيوش تعرف حدودها ومهامها ومعرفتها، وتحترم مقدراتها، وذلك عكس أوطاننا التي ابتليت ببعض بنيها من العسكر الذين يتوهمون مقدرتهم على كل شيء بما فيها حكم البلاد، فلذلك جاءت مطالبة الأستاذ علي محمود في البرنامج الخاص بالجبهة الوطنية العريضة التي أسسها ويرأسها بأن يكون هنالك ترتيب وإعادة صياغه وتقنين لعمل العسكر، وإصلاح المنظومة العسكرية جيشا وشرطة وأمناً، وقد فُسِرت دعوته بأنها لتفكيك الجيش.

أما الأديب العالمي السوداني الطيب صالح، طيب الله ثراه، فقال  مستغرباً ومتعجبًا من كيفية  تجروء العسكر على الحكم مع أن تخصصهم وخبراتهم لا تؤهلهم لحكم البلاد لأنها مسؤولية تتطلب الخبرة والحنكة والدراية، ولا علاقة  للحيل العسكرية الحربية وتكتيكاتها  بالسياسة وحكم البلاد والعباد، أو كما قال: ” أنا لا اؤمل خيراً كثيراً في حكم العسكر –لا يمكن ترسل واحد يأخذ شهادة في العسكرية لموسكو او امريكا او اي جهة  وبعدين يجي البلد ويبقى حاكم – يجيك وليد ضابط  الصباح تلقاه بقى حاكم للبلد ويقعد يجرب في حكم البلد الى ان يخرب البلد”.

وللكاتب الراحل الأديب قيلي أحمد عمر، رحمه الله،  مقولة كتبها في افتتاحية مجلة الخرطوم التي أسسها ورأس إدارتها وتحريرها، وذلك في بدايات تسعينيات القرن الفائت نحو 1992م : “إذا كلما جاء انقلاب وعساكر وحكموا البلد تركها أبناؤها  ووطنيوها  وهاجروا لما بقي أحد وسوف تترك الأمور للعسكر يفعلوا ما يشاؤون”، لقد كان حسن نية مفرطة من الصحفي والكاتب الكبير، وإذا قدر له أن يعيش إلى اليوم  لغير رأيه وأيد كل من ترك البلد وهاجر؛ ببساطة لأن الأخلاق والإنسانية فقدت في هذا العهدـ ولن يقبل بالعيش والتعايش معها إلا من في  نفسه مرض او مصلحة ذاتية مهما كانت الأحوال.

وللأسف هنالك من توالى أو تعاون أو بارك، وهم أصحاب المواقف الرمادية فلا هو مع هؤلاء ولا أولئك، وهم شر البرية.

اللهم رد غربة الوطن.

من لا يحمل هم الوطن — فهو هم على الوطن.

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.