ذهب إلى ربه والقلوب معلّقة به
الموت حقيقة لا فكاك منها، إنه طريق نسلكه جميعًا، مهما طال بنا الأمد أو قصر. نوقن به إيمانًا، ونردد قول الله تعالى: ﴿كل من عليها فان﴾، ولكن اليقين لا يخفف من وطأة الفقد حين يفجعنا برحيل الأحبة. فالموت، عندما يأتي محمّلًا بغياب إنسان نقي، لا يكون مجرد نهاية عمر، بل انكسار روح، ووجع لا تُداويه الكلمات.
في يوم ١٧-١-٢٠٢٦، حين بلغني نبأ وفاة الحبيب السيد الصادق عبدالله الفاضل المهدي، شعرت وكأن الأرض قد ضاقت بما رحبت. لم يكن خبرًا عابرًا، بل صدمة أربكت القلب وأطفأت في داخلي شيئًا من نور العلاقات الإنسانية الصادقة. كيف لا، وقد رحل من كنت أتواصل معه في كل لحظة ومن كنت أبثه اخباري وأحوالي، وكان بالنسبة لي أقرب من الأخ الشقيق، بل كان صاحب القلب الذي يطمئنك قبل أن يحدّثك. لقد رحل السيد الصادق عبدالله الفاضل المهدي، وحزني عليه انه رحل بعيدًا عن وطنه، وعن أرض التي أحبها وسكنته، وطنٍ كان يحترق في قلبه كما يحترق اليوم بنار الحرب. مضى إلى ربه وهو يتألم لغربةٍ لم يخترها، ولبلادٍ كان يتمنى أن يراها آمنة مطمئنة، وقد عاد أهلها إلى بيوتهم في أم درمان وديارهم في نهر النيل وقراهم في كردفان ودارفور وأنحاء السودان، يلتئمون بعد الشتات، ويتلون القرآن، ويتضرعون إلى الله، مرددين أوراد الإمام المهدي في حلقات الراتب، في سلامٍ يعيد للقلوب طمأنينتها وللأرض سكينتها.
لقد كان الحبيب السيد الصادق عبدالله المهدي رحمه الله يتمنى نهاية الحرب، لا من باب السياسة، بل من باب الإنسان المؤمن الذي يرى في الدم المسفوح وجعًا، وفي الخراب كسرًا للروح، وفي النزوح قهرًا لا يليق بكرامة البشر. فقد كان يحمل وطنه في قلبه حيثما حل، ويستحضره في دعائه، ويؤلمه أن يرحل عنه دون أن يراه وقد عاد إلى درب السلام.
لقد ودّعنا السيد الصادق عبدالله المهدي، وواريناه الثرى، لكننا لم ندفن معه ذكراه، بل ترك في قلوبنا وقلوب محبيه حزنًا مقيماً وعميقًا ودمعًا صامتًا لا يجف. وسيبقى حاضرًا في الوجدان، شاهدًا على زمنٍ كان فيه النبل قيمة، والوفاء سلوكًا، والتواضع خلقًا أصيلًا، وحين تتسع دائرة الحزن نردد ما قال لبيد بن ربيعة:
ذهب الذين يُعاش في أكنافهم
وبقيت في خلفٍ كجلد الأجرب
لقد عاش الفقيد السيد الصادق طيب السيرة، حميد الذكر، نقي القلب، لين الجانب، معطاءً بحكمة، صلبًا في الحق دون قسوة. كان صادقًا وفاضلًا، زاهدًا في دنيانا، مصلحًا بأفعاله قبل أقواله، يمتلك قلبًا يتسع للجميع. أخًا كبيرًا، وصديقًا وفيًا، ومواسيًا حنونًا، لا تلقاه إلا ووجهه مشرق، ولا تودعه إلا وقد ترك في نفسك أثر الطمأنينة. لقد كان سيدًا بمعنى الكلمة، تحيط به مسحة وقار وهيبة، وجاذبية صادقة لا تصطنع. كلما زرته ازددت حبًا له، إذ كان ينثر الحكمة، ويبث المعرفة، ويزرع الأمل بابتسامته الوضاءة. ولا عجب فهو شقيق السيد اسماعيل وشقيق السيدة رقية وقمر وابن سادة وشهداء، وقد تجسدت فيه مكارم الأخلاق الموروثة، فعاشها مع الناس لا عليهم. ومنه تعلمنا معنى قيمة الإنسان، وقيمة العلاقة، وصدق الوفاء، ومعنى الحياة حين تُعاش بنبل.
لهذا كان الرحيل موجعًا، مرًّا كطعم العلقم، بل أشد. فقد ترك فراغًا لا يُسد، وحنينًا لا ينطفئ. غير أن سيرته ستظل عطرة، وذكراه ستبقى منارة تهدي القلوب، حتى نلقاه بإذن الله في جنات النعيم.
ومهما كتبنا عن السيد الصادق عبدالله المهدي، فلن نوفيه حقه، ولن نبلغ معشار معاني العطاء والإخاء والمحبة ونبل الأخلاق التي جسدها في حياته. ان الكلمات تعجز في لحظات الوداع، وتخرس الألسن في اوقات الاحزان وليس لنا إلا أن نقول ما يرضي الله: «إنا لله وإنا إليه راجعون».
رحم الله الحبيب السيد الصادق عبدالله الفاضل المهدي رحمةً واسعة، وأسكنه فسيح جناته مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين. وستبقى ذكراه درسًا في الكرم، والنبل، والتواضع، والزهد، والإحسان إلى الناس، وقد ترك من بعده لسان صدق في الآخرين.
نسأل الله أن يتغمده بواسع رحمته، وأن يغفر له مغفرةً من عنده، وأن يُنزل الصبر والسكينة والسلوان على قلب السيدة ليلى كرار، وكريماتها، والأحباب عبدالله والطيب، وعلى كافة أفراد الأسرة الكريمة ومحبيه وعارفي فضله.
ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


