السيرة الوضاءة (1)

فاطمة أحمد إبراهيم.. ابنة البيئة

  • 12 أغسطس 2017
  • لا توجد تعليقات


صلاح أحمد إبراهيم

توفيت إلى رحاب ربها المناضلة الرائدة فاطمة أحمد إبراهيم بعد أن تركت سيرة عطرة أغنت بها الحياة الفكرية والثقافية والسياسية في السودان، ضاربة أروع الأمثلة في البذل والعطاء، ويسر “التحرير” أن تقدم صفحات من هذه السيرة عبر حلقات، اعتماداً في المقام الأول على روايتها.

ولدت فاطمة أحمد إبراهيم بمدينة الخرطوم في عام 1933م، بمنزل جدها لأمها الشيخ محمد أحمد فضل، وكان ملاصقاً لمدرسة أبي جنزير الأولية للبنين وسط الخرطوم، وهي أول مدرسة للبنين بالسودان، وكان جدها ناظراً لها، وقبل ذلك وخلال حقبة حكم المهدية، كان نائباً للقاضي محمد إبراهيم، جدها لأبيها، وبعد مجئ الاستعمار البريطاني، سافر جدها لأمها إلى مدينة القطينة في منطقة النيل الأبيض، وأصبح جدها لأبيها إماماً لمسجد؛ لأن الحكومة الاستعمارية فصلت جديها من السلك القضائي.

وفيما بعد أرسل جده ابنه أحمد (والد فاطمة) لمواصلة تعليمه في كلية غردون بالخرطوم، وفي تلك الأثناء كانت العلاقة بين الأسرتين مستمرة إلى ان توجت بزواج والديها.

وكان جدها محمد فضل قد قام بخطوة جريئة، حين ألحق أمها وأخواتها في مدرسة البنين التي يديرها لعدم وجود مدرسة للبنات في مدينة الخرطوم، وكانت والمدرسة الوحيدة للبنات في السودان آنذاك بمدينة رفاعه، وتعرض جدها لهجوم عنيف من كل من حوله من أقارب ومعارف، والتحقت أمها وأخواتها بمدرسة الإرسالية الانجليزية الوسطى للبنات بمدينة الخرطوم، فكانت أمها أول سودانية تتعلم اللغة الإنجليزية، وتوقفت وشقيقاتها عن التعليم بعد إكمال المرحلة المتوسطة، إلا شقيقتهن صغرى زينب، التي واصلت حتى الفصل الثاني من المرحلة الثانوية، ثم عينت مدرسة في المدرسة نفسها.

تعرض والدها لضغوط ومشكلات كثيرة من لإدارة التعليم البريطانية بعد تخرجه في كلية غردون، لأنه كان مبرزاً في اللغة الإنجليزية، إلا أنه رفض تدريسها، بحجة أنها لغة المستعمر الكافر، فاضطر للاستقالة من المدرسة الحكومية، والتحق بالتدريس بالمدرسة الاهلية، أستاذاً للغة العربية والدين.

وفي أحد الأيام اقتحم رجال الأمن منزلهم، واعتقلوا شقيقها صلاح، بتهمة الكتابة على الحيطان، وتوزيع منشورات الحزب الشيوعي ضد الاستعمار، ولكن أُطلق سراحه لصغر سنه، ليتضح لها فيما بعد أن شقيقها مرتضى كان عضواً في الحزب الشيوعي، ولكنه استقال منه فيما بعد، كما كان وزيراً للري في عهد نميري، واستقال، وألف كتاباً بعنوان “الوزير المتمرد”.
هذا الجو الذي عاشته أدى إلى اهتمامها بمعرفة نشاط الحزب الشيوعي، ثم الانتماء لعضويته فيما بعد، عندما تعرفت إلى مبادئه وبرامجه، وبالذات اهتمامه بمساواة المرأة بالرجل، ونضاله ضد الاستعمار، واهتمامه بالفقراء والمضطهدين.

وقالت فاطمة إنها ظلت تظن أن المرأة الجنوبية التي في بيت أسرتها هي شقيقة جدتها؛ للحميمية التي كانوا يتعاملون بها معها، وقد اكتشفت فيما بعد أن عاملة المنزل، وقد خُطفت من أسرتها، وحُرمت منهم، فكان ذلك من أسباب اهتمامها بقضايا المهمشين.

وتتحدث الأستاذة فاطمة أحمد إبراهيم بكثير من الإجلال عن والدتها التي حفزتها إلى الاهتمام بتنمية عقلها بالقراءة والاطلاع، وتطوير قدراتها، وكانت سبباً في تعلقهم جميعاً بالشعر الذي تميز فيه شقيقها الشاعر صلاح أحمد إبراهيم.

واصلت تعليمها الأولي والأوسط في مدارس أولية ووسطى في مدارس حكومية بمدينة مدني، وأم درمان، وبربر، وفي مدرسة الإرسالية الانجليزية حسب تنقلات والدها، ثم قبلت في مدرسة أم درمان الثانوية العليا، الوحيدة آنذاك في كل السودان، وكانت الدراسة فيها ثلاث سنوات، لكن والدها رفض التحاقها بالجامعة، بحجة أنها تفسد أخلاق الطالبات، حسب ما نقل إليه صديق أكملت ابنته فيما بعد الدراسة الجامعية، وترك هذا الأمر أثراً في نفس فاطمة.

وكانت قد نظمت إضراباً في المدرسة حين قررت الناظرة البريطانية حذف كل المقررات العلمية من المقرر، الأمر الذي يحرم الطالبات من دخول كلية الطب، والكليات العلمية الأخرى بجامعة الخرطوم، وأضافت لنا بدلا منها مادة التدبير المنزلي والخياطة، وكان رد الناظرة على تساؤلهن أن الطالبات السودانيات غير مؤهلات ذهنيا لدراسة المواد العلمية.

وبعد تدخل شخصيات كبيرة سمحت لهن المدرسة بدراسة المواد العلمية، وكانت نسبة النجاح عالية، مما يدحض حجة الناظرة البريطانية.

بدأت نشاطها بتحرير جريدة حائط باسم “الرائدة” حول حقوق المرأة، وكذلك كانت تكتب في صحيفة الصراحة بالتوقيع نفسه، إذ إن التقاليد آنذاك لا تسمح بأن يظهر اسم امرأة في الصحف.

وفاة المناضلة فاطمة أحمد إبراهيم بلندن

أضف تعليقاً