محمد التعايشي: متفائلون بتسوية مع حاملي السلاح تعالج مشكلة السودان

محمد حسن التعايشي
  • 18 مايو 2020
  • لا توجد تعليقات

رصد- التحرير- اندبندنت عربية

حوار: إسماعيل محمد علي

أبدى عضو المجلس السيادي السوداني، الناطق الرسمي باسم الوفد الحكومي لمفاوضات السلام مع الحركات المسلحة، محمد حسن التعايشي، تفاؤله بالوصول إلى تسوية مع المجموعات المسلّحة خلال المفاوضات التي ترعاها دولة جنوب السودان، تُفضي إلى اتفاق سلام شامل، يعالج المشكلات التاريخية المعلّقة منذ استقلال البلاد عام 1956.

وأرجع التعايشي، في حواره مع “اندبندنت عربية”، أسباب عدم التزام تحقيق السلام خلال المدة المحددة في الوثيقة الدستورية، إلى “الاختلاف ما بين التقديرات النظرية والتجربة العملية في مسألة السلام”، لافتاً إلى أن الذين شرعوا هذه الوثيقة كانوا يعتقدون نظرياً أن “فترة ستة أشهر كافية للوصول إلى سلام”، لكن اتضح أن “المسألة معقدة، وليست بسيطة”.

وعن ضمانات عدم العودة إلى مربع الحرب، أشار التعايشي إلى الضمانة السياسية التي وفّرتها الشراكة الخاصة بالمجموعات، والبيئة السياسية التي أنتجتها الثورة الشعبية، فضلاً عن إرادة السودانيين، ووجود المجتمع الدولي الذي يهمه استقرار المنطقة، وتحسّن الأوضاع الإنسانية بالمناطق التي تأثرت بالحروب.

جذور الحرب

في تقييمه لسير المفاوضات، وما أُنجز من اتفاقات، يقول “لقد تمكّنا منذ التوقيع على إعلان جوبا من الوصول إلى اتفاقات سلام في معظم الموضوعات محل النقاش، التي هي أساساً معنية بقضايا جذور الحرب، مثل العدالة الاجتماعية، وقضايا الأرض والتعويضات، واللاجئين والنازحين، وبناء التنمية المتوازن، وأسس توزيع الموارد في السودان، والعلاقة ما بين الأقاليم والمركز، وطبيعة النظام الفيدرالي الذي يمنح سلطات للأقاليم ويحافظ على وحدة السودان. بينما بقيت قضايا محدودة تتعلق بالترتيبات الأمنية ومسألة المشاركة في السلطة على المستوى الإقليمي بالنسبة إلى مسار دارفور، فضلاً عن قضايا تتعلق بالجبهة الثورة، تتمثل في كيفية المشاركة في السلطة الانتقالية بأجهزة الحكومة المركزية، إضافة إلى بعض الموضوعات المتعلقة بالقضايا القومية”. وبيّن أن نسبة الإنجاز هذه تعتبر “كبيرة جداً”، والمتبقي في نهاية المطاف هو “إكمال عملية السلام بشكل نهائي”.

وأضاف، “توجد مؤشرات تؤكد أن هذه المفاوضات ستفضي إلى اتفاق سلام شامل، يعالج المشكلات التاريخية المعلقة، ويصل إلى تسوية مع كل المجموعات الحاملة السلاح، وأهم هذه المؤشرات ما حُقّق من نقاش، وعزْم ورغبة الأطراف المتحاورة كافة، سواء الحكومة أو الشركاء في الحركات المسلحة، مثل جبهة الثورة أو الحركة الشعبية جناح الحلو، في الوصول إلى اتفاق سلام، وهو ما أكدته في أكثر من موقف، فضلاً عن تمسّك تلك الأطراف بمبدأ الشراكة في ثورة ديسمبر (كانون الأول) 2018، التي أطاحت النظام السابق، ومن أهم مكتسباتها تدعيم جهود الحكومة الانتقالية المتمثلة في تنفيذ عملية السلام الشامل”.

قضايا التهميش

وحول تعذّر الوصول إلى اتفاق سلام، وفق ما حددته الوثيقة الدستورية بستة أشهر من بداية أعمال الحكومة الانتقالية، يوضح التعايشي “نعم، لم نستطع الوصول إلى اتفاق سلام خلال الأشهر الستة الأولى للحكومة، لأسباب عدّة أبرزها الاختلاف ما بين التقديرات النظرية والتجربة العملية في مسألة السلام، فالأخوة الذين شرعوا الوثيقة الدستورية كانوا يعتقدون نظرياً أن الأشهر الستة كافية للوصول إلى سلام، وهو تفاؤل إيجابيّ، لكن اتضح عملياً أن مسألة ترتيب أجندة النقاش والحوار والوصول إلى اتفاقات سلام متعلقة بوقف الحرب في كل السودان عملية معقدة، وليست بسيطة، على الرغم من أنّ الأطراف انخرطت في نقاش مستمر ومثمر لم يتوقف إلا لأغراض فنية تتعلق بالترتيبات وغيرها، وتوصّلت تلك النقاشات إلى اتفاقات حقيقية، ناقشت كل قضايا التهميش في شرق السودان ومنطقتي النيل الأزرق وجبال النوبة مع الحركة الشعبية جناح مالك عقار، وكذلك ناقشت قضايا الحرب والتهميش في مسار دارفور مع حركاتها المسلحة، فضلاً عن مناقشة معظم الموضوعات والقضايا المعلقة، التي أُهملت فترات طويلة في شمالي السودان ووسطه”.

وأضاف، “في تقديري الشخصي، السبب الوحيد لعدم التوصّل إلى اتفاق سلام في الزمن المحدد يرجع إلى طبيعة تقديرات الموضوعات المطروحة للنقاش، وتركيبة المجموعات المختلفة، فالحكومة السودانية حاليّاً لا تتفاوض مع تنظيم واحد، كما حدث في نيفاشا، إذ تفاوضت حكومة عمر البشير آنذاك مع طرف واحد هو الحركة الشعبية بزعامة جون قرنق، بالتالي كانت هناك إمكانية للعمل بشكل سريع، ومع ذلك استمرّت المفاوضات أكثر من سنتين. لكن الآن تتفاوض الحكومة مع مجموعة كبيرة، تشمل الجبهة الثورية، وهي تحالفٌ عريضٌ يجمع أكثر من سبعة تنظيمات سياسية، غير أننا نتفاوض بطريقة مختلفة عمّا كان سابقاً. ففي نيفاشا كان التفاوض حول قضايا جنوب السودان والمنطقتين، كما كان اتفاقا أبوجا والدوحة قائمين على مناقشة قضايا دارفور. أمّا الآن فندير عملية سلام شامل ومتكامل من خلال مناقشة قضايا دارفور والمنطقتين والشرق والشمال والوسط في منبر سياسي واحد، ومع أكثر من مجموعة سياسية، ما أسهم في تعقيد العملية السياسية، إضافة إلى حوارنا مع الحركة الشعبية جناح الحلو، وهذا ما أطال أمد عملية التفاوض”.

جرائم الإبادة

وفي سؤال عن التحديات التي واجهت عملية التفاوض وكيفية التغلب عليها، يقول “توجد تحديات كثيرة، بخاصة أننا نناقش موضوعات متعلقة بالحرب والسلام ظلت عالقة منذ الاستقلال، وحصدت آلافاً من الأرواح، وهي جرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية في دارفور، وانتهاكات خطيرة ضد القانون الدولي والإنساني في جبال النوبة والنيل الأزرق، وقضايا تهميش سياسي وتنموي واقتصادي، واستبعاد من المشاركة في مناطق كثيرة جداً في السودان فترات طويلة. بالتالي، توجد تحديات ذات علاقة بالاتفاق حول معالجة هذه الموضوعات نفسها. لكن من التحديات الأساسية هو منبر جوبا نفسه، فقد كان الرأي بعد الثورة أنه ليس هناك مبرر أن يناقش شركاء الوطن قضايا السودان في الخارج، وكان هذا رأينا الحقيقي ودافعنا عنه، بل حاولنا إقناع شركائنا أن السودان مهيأ أكثر من أي بلد آخر لمناقشة قضايا الحرب والسلام، وأن الضامن هذه المرة هو الشعب السوداني الذي جاء بهذه الثورة، وقد أخذ ذلك وقتاً طويلاً، إلى جانب تحدٍّ آخر يتعلق بالمسألة الفنية لإدارة عملية السلام والنقاش حولها، خصوصاً ما يتصل بالحركة الشعبية جناحي الحلو وعقار، كونهما يتفاوضان حول منطقتين يشتركان في وجودهما المسلح فيهما. ما يتطلب تنسيقاً بينهما، وهو ما زاد من التعقيدات”.

وأكد أن الصعوبات الفنية والسياسية “ما زالت موجودة”، على الرغم من الاستشارات التي قدّمها الشركاء الدوليون، فضلاً عن تعقيدات كورونا، وما تبعها من ترتيبات احترازية عقَّدت عملية الحوار المباشر.

تعدد المسارات

وردّاً على تشكيك البعض في الاتفاقات، التي وقّعت في مسار الشرق ومنطقتي النيل الأزرق وجبال النوبة، وكونها غير شرعية، قائلاً “من ناحيتي، أتفهم الملاحظات التي اُتخذت حول اتفاق الشرق والمنطقتين، في سياقه الموضوعي. بمعنى لا يستطيع أن يقول أحد إن الذين نتفاوض معهم في المسارات كافة يمثلون تلك المناطق مئة في المئة، والكل متفق على ذلك حتى من نتفاوض معهم لديهم هذه القناعة. لكن هذه المجموعات رفعت مظالم هذه المناطق بطريقة شاملة، ومن جانبنا اتبعنا منهجاً يعتمد على معالجة هذه المظالم، باعتبارها مكسباً لمواطني تلك المناطق، وليس مكسباً للجماعات التي رفعت هذه المظالم، وليس فيه إلزام من جانب الحكومة تجاه أي مجموعة حزبية”.

وأكد أن منهج معالجة قضايا السودان عبر هذه المسارات هو المنهج الذي يقود وحدة السودان بشكل موضوعي، بينما إهمال مناقشة هذه القضايا والاعتراف بها وعدم معالجتها هو الذي يؤدي إلى تفكيك السودان والعكس الصحيح.

حركة عبد الواحد

وحول عدم مشاركة رئيس حركة تحرير السودان جناح عبد الواحد محمد نور في مفاوضات جوبا، ما يجعل السلام منقوصاً، أوضح التعايشي “عبد الواحد رفض المشاركة في منبر جوبا، من دون أن يذكر الأسباب والمبررات، كما رفض أن يقدّم مبادرة مكتوبة توضّح رؤيته للحل. وفي رأينا إن أي اتفاق سلام شامل يستبعد أي طرف سيكون غير مكتمل، وحاليّاً نعمل على تطوير رؤية تفاوضية تُحدث اختراقاً في النقاش مع عبد العزيز الحلو بالنقطة التي توقفنا فيها، فضلاً عن إيجاد صيغة للاختراق بين الحكومة وعبد الواحد”.

العلمانية

وفي ما يتعلق بمطالبة حركة عبد العزيز الحلو بعلمانية الدولة ومدى الاستجابة لذلك، يجيب “إذا أردنا أن نجد حلاً جذرياً لأسباب الحروب ومعالجة قضايا التفاوت التنموي وتوزيع الموارد بتساوٍ وعدالة، وإيجاد صيغة لنظام حكم يمكّن السودانيين في الأقاليم من القرار والمشاركة المتوازنة في السلطة، فمن الضروري أن نصل إلى صيغة نتفق فيها حول طبيعة الدولة السودانية. وهذا نزاعٌ تاريخيٌّ ما بين طبيعة الدولة من ناحية الهُوية، ومن ناحية علاقة الدين بها، وحقوق المواطنة في هذه الدولة. لكن، توجد قاعدة صلبة تنطلق من مبدأ أن المواطنة في السودان متساوية، والحقوق يجب أن تكون متساوية على أساس المواطنة، وأن الدولة لا تقوم على أساس ديني أو عرقي أو هُوية ثقافية أو أيديولوجية محددة”.

وأشار إلى أن الخلاف حول هذه المسألة “يصبّ في صياغة هذا المضمون”، وتوجد ورقة يُجرى إعدادها لتقريب وجهات النظر حول هذه القضية.

المحكمة الجنائية

وبشأن تسليم البشير إلى المحكمة الجنائية، يقول “في الحقيقة، اتفقنا على تيسير مثول البشير والأشخاص الخمسة الذين صدرت بحقهم أوامر القبض إلى المحكمة الجنائية، ما يمكّن السودان والمحكمة الجنائية من محاكمتهم. وهذا جاء من قناعة أساسية تتمثل في تنفيذ مبدأ العدالة لما ارتكب من جرائم الإبادة الجماعية ضد المواطنين الأبرياء. بالتالي، فإنّ تنفيذ ما اُتفق عليه في مفاوضات جوبا أمرٌ مفرغٌ منه، وهو التزام يتعلق بأهمية تنفيذه ضمن حزمة اتفاق السلام”.

الإعمار والنازحون والمجتمع الدولي

وحول ما اُتفق حوله بشأن تنمية إقليم دارفور وعودة النازحين واللاجئين الذين تشردوا بسبب الحرب، قال التعايشي، “اتفقنا في هذا الشأن على قيام مفوضيات للأراضي وإنشاء محكمة لفض الاشتباكات في هذه القضايا، وكذلك إنشاء مفوضيات لإعادة الإعمار والتنمية، والنازحين واللاجئين، والتعويضات، وستعمل هذه المفوضيات على معالجة هذه القضايا كافة، باعتبارها حقّاً مكتسباً يستلزم القيام به على أكمل وجه”.

وفي ما يتصل بدور المجتمع الدولي في دفع عملية السلام، يوضح التعايشي، “بشكل عام يعد دور المجتمع الدولي داعماً وإيجابياً بالنسبة إلى عملية السلام في جوبا، لا سيما الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة والترويكا وتشاد، وكان لمعظمهم دور أساسي وفاعل طوال فترة التفاوض، فمن غير دعم المجتمع الدولي والإقليمي ودولة جنوب السودان خصوصاً الرئيس سلفاكير، ما كان حدث هذا التقدم الكبير والنجاح في سير المفاوضات، وما صاحب ذلك من توقيع اتفاقات مع بعض المجموعات”.

وعن أكثر الحركات المسلحة تشدداً وتمسكاً بآرائها، يقول “ما جرى طرحه الآن في جوبا عبارة عن تصوّرات موضوعية لكل طرف، المهم أننا في كل الأحوال نبدي موضوعية ومرونة في القضايا التي تتطلبها. توجد قضايا تبدو أن طريقة معالجتها واحدة، وهذا متوقّع في ظل القواسم المشتركة بيننا والشركاء الآخرين، لكن لا أستطيع أن أقول إنّ هناك طرفاً متشدداً أكثر من الآخر في مفاوضات حتى الآن”.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*