دموع على جدران الاعتصام

  • 03 يونيو 2020
  • لا توجد تعليقات

يوسف السندي

لا يؤلم الجماهير وقوع الأحداث، فالحياة متحركة والحركة تولد الأحداث، ولكن يؤلمها اختفاء الحقيقة ، يؤلمها الغدر والخيانة ، وفض اعتصام القيادة العامة كان قصة فريدة من قصص الغدر والخيانة وغياب الحقيقة ، قصة فصولها الدم وحروفها الدموع وصفحاتها الوجوم والاستغراب .

ذلك الفيديو الذي يظهر فيه احد جنود القوات المسلحة وهو يغلق احد ابواب القيادة العامة في وجه الأبرياء الذين جاءوا ليحتموا به من الرصاص والقنص ، كلما مر بي هذا الفيديو شعرت بطعنة في سودانيتي ، بنصل حاد ينغرس في هويتي . ما على هذا جبلنا ولا تربينا من نفوس حرة تأبى شرفا أن تغلق بابها أمام مستجير ! هذا المشهد لخص كل الحكاية ، حكاية ان الدم الذي سفح في ذاك اليوم لم يسفحه أولاد البلد ولا السودانيين الذين نعرفهم ، وإنما سفحه الغرباء الذين لا يشبهون هذه الأرض و لا انسانها ولا دينها ولا ثقافتها ولا سماحتها ، غرباء لا نعرفهم ، جاءوا ذات ليل بانقلاب مشؤوم ، دوى صوت أديبنا السوداني الطيب صالح متسائلا : من أين جاء هؤلاء؟ فهم ليسوا منا ، لا يشبهوننا ، لا ينتمون لنا ، هم غرباء ، غرباء عن السودان وعن تركيبة السودانيين.

التركيبة السودانية لا تعرف الغدر ، تعرف المروءة، تركيبة عنوانها النفاج، أولادها جمال الشيل وبناتها العفيفات الكريمات، تركيبة لا ترفع يدا على حبيب ولا صوتا على قريب ولا (وشا مصرورا) لضيف ، تركيبة فريدة يجالس فيها السكارى الشيوخ ، ويسامر فيها الفقير الغني ، لا يعرف أطفالها الطبقات ولا تأكل قياداتها الفتات، نفوسها ابية وشخوصها أحرار .

ولكن الذي حل بنا في الثلاثين عام الماضية فتح بلادنا للغرباء، غرباء الروح والفكر و الثقافة، رجال ونساء لم نر منهم الا اليد الباطشة والصوت الغاضب والوجه العابس ، شككونا في سودانيتنا ، اذونا في طبيعتنا ، مزقوا وحدتنا الوجدانية والجغرافية، وحين ثرنا لاستراجعها ، قمعوا المواكب السلمية ، تنكروا للبلاد التي علمتهم ، للنيل الذي سقاهم ، للأرض التي انبتتهم ، وانتموا لغرابتهم ، اعتقلوا وقتلوا من الشعب ما شاء رصاصهم ، وحين اعتصم الشعب ، فضوا الاعتصام . تبا للغرباء الذين لا يشبهون هذا التراب ولا ينتمون لهذه الخريطة.

ليس بيننا وبينهم سوى الحقيقة والقصاص ، الذي قتل يقتل ، كما تقول الشرائع وتثبت الأعراف ، والذي فقأ عينا تفقأ عينه ، العين بالعين والسن بالسن ، والحقيقة وإن طال الأمد والألم والدموع ستظهر يوما لتخلص الأرواح من أغلال الغرباء ، من عبء الصبر والنظر إلى وجوه القاتلين ، فكل النفوس تعاني ، كل القلوب تبكي ، مثقلة بصور الشهداء ، باستغاثة المفقودين ،بأنين الجرحى ، وصراخ المغتصبات، لا ياتينا النوم في سلام ، هذا الجرح العميق المسمى فض الاعتصام موجود ومؤلم ومحزن وقاسي، لن تحررنا منه سوى الحقيقة .

هل نحتاج لمعرفة الجناة ، هل نحتاج الأسماء؟ لا ، نعرفهم تماما وسميناهم الغرباء ، هذه الأرض ليست لهم ولا النيل ولا الذرة ولا التبلدي ، ليس لهم من الوطن شيئا كما جاءوا من خارج رحم الامة سيعودون ، يسكنون ذواتهم الغريبة ، يخالطون نفوسهم المريضة ويأكلون بعضهم بعضا، أما الشهداء والأولاد السمر الميامين والكنداكات فهذه الأرض لهم ، وليعش سودانهم علما بين الأمم.


sondy25@gmail.com

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

*