السودان .. أكبر من أن يكون حديقة خلفية أو جدارا عازلا

السودان .. أكبر من أن يكون حديقة خلفية أو جدارا عازلا
  • 12 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

السفير. رشاد فراج الطيب

كثيرًا ما يتردد في الخطاب السياسي والإعلامي العربي أو حتي المحلي ، أن ما يجري في السودان «لا يستهدف السودان » ، بل هو رسالة إلى شماله ، أو تهديد غير مباشر لشرقه ، أو حلقة في سلسلة تطويق إقليمي أوسع .

وقد يبدو هذا الطرح للوهلة الأولى  مقبولا ، لكنه في عمقه يعكس خللًا أخلاقيًا وسياسيًا خطيرًا ، إذ يُجرّد السودان من كونه غاية بذاته ، ويعيد تعريفه بوصفه مجرد وسيلة ، أو ساحة صراع ، أو منطقة عازلة لدرء الأخطار عن الآخرين .

في هذا المنطق ، لا يصبح الخراب في السودان مستحقًا للاهتمام إلا حين يوشك أن يمتد خارج حدوده !

وكأن الدم السوداني لا يُرى ، والانهيار لا يُقلق ، إلا إذا باتت النيران قريبة من عواصم أخرى .

وهنا لا يعود السؤال ماذا يحدث للسودان ؟

بل متى سينتقل الخطر إلى غيره ؟

هذه المقاربة لا تظلم السودان وحده ، بل تكشف أزمة عميقة في الوعي السياسي الإقليمي وحتي الوطني ، حيث ما تزال بعض الدول تُصنَّف بوصفها «مراكز» وأخرى «هوامش» ، بعضها يُنظر إليه كفاعل ، وبعضها الآخر كساحة يُدار فيها الصراع بالوكالة .

ووفق هذا التصور المختل ، لا يُنظر إلى السودان رغم موقعه الجيوسياسي وموارده وعمقه الحضاري كركيزة من ركائز الأمن العربي ، بل كفراغ قابل للاختراق ، أو جدار يُضحّى به لتأجيل الخطر لا أكثر .

الأخطر من ذلك أن هذا الخطاب يبرّر التقاعس .

تقاعسًا عن التدخل الجاد بحجة أن السودان « ليس الهدف المقصود » .

وتقاعسًا عن حماية شعبه لأن الكارثة لم تتجاوز حدوده بعد .

وتقاعسًا عن محاسبة المتورطين في تفكيكه ، ما دام الانهيار ما زال « قيد الاحتواء» !

غير أن الحقيقة أوضح من كل هذا الالتفاف .

السودان لم يُستهدف لأنه بوابة لغيره ، بل لأنه السودان ذاته ؛ دولة ذات وزن كامن ، وموقع حساس ، وموارد ضخمة ، وشعب حي ومتفرد  ، وتاريخ يجعلها إن استقرت رقمًا صعبًا في معادلات الإقليم .

ولذلك كان تفكيكها مصلحة لقوى متعددة ، داخلية وخارجية ، التقت عند نقطة واحدة وهي إضعاف الدولة قبل أن تستعيد عافيتها .

ومع ذلك ، فإن المسؤولية لا تقع على الخارج وحده .

فالدول التي تُقرأ دائمًا من زاوية تأثير ما يجري فيها على الآخرين ، هي دول غائبة أو مُغيَّبة عن معادلة الفعل .

غياب مشروع وطني جامع ، وانقسام النخب ، وتعدد مركز القرار ، كلها عوامل تجعل الآخرين يكتبون سردية السودان بدلًا عنه ، ويتحدثون باسمه لا معه .

السودان لن يخرج من موقع « الحديقة الخلفية » في الخطاب الإقليمي ،
إلا حين يتوقف عن انتظار أن يراه الآخرون ،
ويبدأ هو أولًا في تعريف نفسه ، والاعتماد بنفسه ، ومعرفة قدر نفسه ، والدفاع عن نفسه ، والتحدث باسم نفسه .

فأخطر ما يواجه السودان اليوم ليس فقط الحرب أو التدخلات الأجنبية ، بل نزع مركزيته الأخلاقية والسياسية في الوعي العربي والاقليمي .

وحين يُختزل بلد كامل في كونه « إنذارًا مبكرًا » لغيره ، فإن ذلك يعني شطب حقه في أن يكون قضية بذاته ، لا مجرد مقدمة لكوارث الآخرين .

القيمة في السياسة لا تُمنَح ، بل تُنتزع .

والسودان ، إن لم يفرض نفسه بوصفه غاية لا وسيلة ، وذاتًا لا ظلًا ،
سيظل يُذكَر فقط حين يخاف الآخرون…
لا حين يُنصفه التاريخ ويضعه في المكان الذي يستحقة كرأس وسيد لا كذنب أو تابع .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*