البرد العاوي والبطن الخاوي

البرد العاوي والبطن الخاوي
  • 12 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

أنور محمدين

تمرق الشمس من مخبئها خلف التلال فتنشر الضياء الفاترة، التي تزرع الدفء تدريجيا فأخرج للجلوس على المسطبة التسخين ألتمسه ولمة الناس والإيناس أبتغيهما، بعد أن تناولني أختي العزيزة فايزة مديدة حلبة ظابطة بيدها الطاعمة الحاذقة في الطهي فالبرد يجلب الجوع بأنواعه!
وما أقسى تحالف البرد والجوع!
ذات مرة عضنا الجوع في المحطة نمرة 6 والبرد يهزمنا في قلب صحراء العتمور تمكنت الأخوات رفيقات السفر من إعداد صحن طعام بما تيسر وطلبن منا تناول لقمتين لا أكثر ليتولين ما تبقى بالتساوي، فتصوروا!
ومثلنا يقول ” الفقرا اتقاسموا النبقة “.
ثم أدركنا ” قطر السودان ” كما يقول أهلنا في حلفا الوجهة والواجهة.
شيئا فشيئا يتسلل جلساء المسطبة بعد حين لتناول الفطور ثم الانصراف لحقول الفول المزهرة المبشرة المترامية لتنظيفها من الحشائش حتى لا تشارك المحصول الأساس منافع التربة فيقل الإنتاج المرجو، وهي مهمة شاقة لكنها ضرورية فالفول بات سيد الموائد في وجبتي الفطور والعشاء تاركا لنا الخيار في الغداء، الذي تظهر فيه الكسرة عوضا عن فول الفطور وقراريصه الساخنة، لكني أفتقد الكسرة البيضاء الطرية المعتادة لاكتساح الفتريتة الداكنة عالية النفع لانصراف الزراع عن الذرة رغم أهميتها لنا ولسوانا من الأحياء كالقصب للأبقار والحبوب للدواجن، التي ألحظ قلتها فهي غير موجودة في بيتنا مثلا، ربما بعذر النزوح من الخرطوم، رغما عن أن أمي كانت تربي على الدوام نحو عشر دجاجات وديك حسن الصوت نصحو على صياحه صباحا وتحمر دجاجة بحلول ضيف عزيز أو عندما تكون ” مبسوطة ” من أبي فوق العادة كأن ينعم عليها بتوب أب قجيجة جديد أو حذاء عروسة مفتخر وقد يكون الانبساط للمسة غير مادية فقد كانت أمهاتنا قنوعات يسعدهن القليل ولا يتطلعن للحلي والديباج وفاخر الثياب كما الحال اليوم، فيما قلت حظائر النعاج والأغنام فلجأنا للبقالات نأتي منها بالألبان السائلة منها والجافة والبيض، وبتنا نبحث عن خراف الأضاحي في الأسواق بانحسار الأسر المنتجة المكتفية ذاتيا، بل المسوقة فائضها.
كتبت مرة في جريدة الرأي العام في الزمن الجميل أطالب بأهمية زيارة مسؤولي الإرشاد الزراعي والثروة الحيوانية ووقاية النباتات وغيرها مزارعينا فعقب بإيجابية مشيدا خبير سوداني يتبوأ مقعدا رفيعا في منظمة الزراعة العالمية في روما .. ترى هل نجد استجابة من مسؤولينا رسميين وشعبيين هذه المرة لنعيد معا زهو الأسر المنتجة؟
من الإيجابيات مكننة  العمليات الزراعية بدخول معدات حديثة لكنها قليلة ما يجعل المزارع ينتظر دوره أحيانا فيتعثر في اللحاق بالموسم في الوقت الأنسب.
وقد أوصانا آباؤنا بالزراعة في ميقاتها:
قمح هاتور زي الدهب ال في توور
قمح بابة غلب النهابة
في سابق الزمان ظلمت السواقي بعض الصبية من الالتحاق بالمدارس، أما عمي عوض الذي كان متفوقا في خلوة فضيلة الشيخ خضر ناصر النظامية بدلقو فقد أخرجه جدي منها رغم رجاءات الشيخ ليتولى سواقة الطير من الدخن، كما كان يحكي متحسرا.
أين الدخن في ربوعنا اليوم المفيدة شتاء مديدته وعصيدته؟!
ساد حديثا الاتجاه للتنويع المحصولي بالعناية باستزراع المحاصيل سريعة العائد كالكركدي والشمار والحلبة والباذنجان والجرجير والشطة والتوم ونحوها، التي تباع بالرطل وتعظم العائد، هذا بجانب القمح أو بديلة له، علما أن وزارة الزراعة بالشمالية تخطط لجعل المساحات المزروعة قمحا تعادل ثلاثة أضعاف مساحات الفول، إذ علينا الاستفادة القصوى من ميزتي الشتاء الطويل والخلو من أمراض الحيوان المتوطنة.
أما البصل فاتسع نطاق زراعته وبات منتجا اقتصاديا فاعلا الطازج منه والجاف، وسرني أن بعض مزارعينا يذهبون بإنتاجهم الوفير لأسواق دنقلا والدبة الواسعة، وفي البال تاجر البصل الملياردير ابن الدامر الذي طار ذكره في الآفاق حين حاول متربص نهب ماله الهائل.
الأسبوع المنصرف هالني قدوم دفار بصل لحلتنا من حجر العسل عند شلال السبلوقة، يبدو أن زمن مثلنا الشائع ” بيع البصل بما حصل ” قد ولى .. والحلة بصل.
قبل أيام كان أخي د. خيري بصدد زراعة فاصوليا  في حواشة أمام بيتنا الكبير فقلت متسائلا:
كيف السبيل مع البهايم الفالتة؟
قال:
هي ما بتأكل أوراق الفاصوليا.
عجبت!
  بالإنتاج نرفع قدر أسرنا وبلدنا بالزانة!
كل شتاء أنتم بخير




الوسوم أنور-محمدين

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*