نوموفوبيا
لما وقفت أمام موظف الخطوط الجوية في مطار الملك عبد العزيز بجدة، أدخلت يدي أتحسس التلفون الجوال لم أجده؛ لقد نسيته في البيت!
كنت متوجهاً إلى المدينة المنورة للمشاركة في ندوة بالجامعة.
تذكرة الطائرة موجودة في (الجوال)، وكذلك عرض البحث الذي أقدمه في الندوة، مع كلمة الضيوف التي ألقيها في حفل الافتتاح، لقد فقدت هذه الأشياء دفعة واحدة، وزيادة عليها فقدت الاتصال بمندوب الجامعة الذي ينتظرني في مطار المدينة المنورة.
يا للمفاجأة غير السارة!
فكرت أن رحلتي فشلت، وإن عليَّ العودة من حيث أتيت، ولكني تمالكت نفسي وأخبرت الموظف بما حصل لي، فاستخرج لي بطاقة الصعود إلى الطائرة.
توجهت إلى الطائرة والموظف يمزح معي: لكن هل يجوز السفر من غير تلفون؟
وأنا أجلس على مقعدي في الطائرة تذكرت الحالة التي يسميها الأمريكيون (نوموفوبيا)… إنها اختصار من No Mobile Phobia وترجمتها رُهاب البعد عن التلفون الجوال.
Nomophobia: The fear of being out of cell phone, or: The anxiety relating to sudden loss of a cellular connection
فور وصولي اشتريت ساعة، وكنت طلَّقت ساعات اليد منذ سنوات، ووصَّيت موظف الاستقبال في الفندق بإيقاظي (ويك أب) مع أذان الفجر. لم أكن محتاجاً لذلك فأذان المسجد النبوي يوقظك مرتين؛ مرة عند الأذان الأول، وأخرى في الأذان الثاني.
وقدمت مشاركتي من (الراس لا من الكراس)، ولعلها كانت أكثر توفيقاً مما لو كنت أديتها بمساعدة الجوال.
شعرت أن عدم وجود التلفون منحني فرصة للجلوس وقتاً أطول للعبادة والمشي. واكتشفت وجود معارض حول المسجد النبوي تستحق الزيارة. البقاء مع الجوال في سلوك إدماني يمنع عنا أشياء كثيرة.
ما يسمونه (التواصل الاجتماعي) هو حقا (عدم التواصل الاجتماعي). الناس محجوبون خلف شاشات تلفوناتهم ويخاطبون بعضهم بعضاً. حتى داخل الأسرة قلَّت لحظات الحوار المباشر والتواصل الحميم؛ فالكل في عالم افتراضي وكأنهم يتعمدون الهرب من العالم الواقعي الحقيقي.
لقد أدركت بعد يومين من البقاء خارج الشبكة، أن اعتمادنا على هذه الآلات تفقدنا طاقتنا الذاتية وحيويتنا، وأهم ما نفقده التركيز، بل أدركت أن النوم أفضل مع هذه الـ (نوموفوبيا)!
جربوا الابتعاد ولو ساعات من هواتفكم…


