إعادة تشكيل مجلس التعاون السوداني السعودي.. خطوة استراتيجية لإعادة هندسة العلاقة وتفعيل المصالح المشتركة

إعادة تشكيل مجلس التعاون السوداني السعودي.. خطوة استراتيجية لإعادة هندسة العلاقة وتفعيل المصالح المشتركة
  • 19 يناير 2026
  • لا توجد تعليقات

محجوب إبراهيم الخليفة

▪️إعادة تشكيل المجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين جمهورية السودان والمملكة العربية السعودية تمثل نقطة ارتكاز محورية في مسار العلاقة بين البلدين، وتؤشر إلى رغبة جادة في الانتقال من التعاون التقليدي إلى بناء شراكة مؤسسية ثابتة ذات أبعاد سياسية واقتصادية وأمنية واضحة. القرار يعكس تحركًا مدروسًا لإعادة ترتيب الملفات المشتركة وفق رؤية جديدة تستجيب للمتغيرات الإقليمية والدولية وتعتمد على فهم عميق لترابط المصالح وتكامل الأدوار بين الخرطوم والرياض.
الواقع السوداني يشهد مرحلة معقدة تتشابك فيها الأبعاد
▪️السياسية والعسكرية والاقتصادية، ما يجعل الحاجة إلى شراكات خارجية قوية ضرورة وطنية وليست رفاهًا دبلوماسيًا. المملكة العربية السعودية تُعد إحدى أكثر الدول قدرة على دعم استقرار السودان عبر نفوذها السياسي الإقليمي وثقلها الاقتصادي ودورها المؤثر في المحافل الدولية. إعادة تشكيل المجلس تفتح الباب أمام بناء آلية تنسيق تضمن استمرارية العلاقة وتجاوز الطابع الموسمي أو الارتباط بالظرف السياسي العابر، وهو أمر أظهرته السنوات الأخيرة بوضوح.
▪️البنية المؤسسية للمجلس تمثل إطارًا يسمح بدراسة الملفات الحيوية بصورة منهجية تشمل الاقتصاد والاستثمار والطاقة والتجارة والبنى التحتية والأمن الغذائي والموانئ والتعدين.
▪️السودان يمتلك موارد ضخمة غير مستغلة، والسعودية تمتلك القدرة الاستثمارية والخبرة التقنية والرؤية الاستراتيجية. الجمع بين هذه الإمكانات قادر على إنتاج مشاريع مشتركة ضخمة تسهم في إعادة بناء الاقتصاد السوداني وتحقيق عوائد مستقرة طويلة الأجل للمملكة.
▪️الدور السياسي للمجلس يكتسب أهمية خاصة في ظل الأزمة السودانية الراهنة. المملكة لعبت دورًا واضحًا في مساعي التهدئة واحتواء الصراع الداخلي، واستضافت جولات تفاوض ودعت الأطراف إلى تغليب صوت الدولة على صوت السلاح، وأكدت ضرورة بناء مسار سياسي جامع يضع السودان على طريق السلام الدائم. إعادة تشكيل المجلس تمنح هذا الدور بعدًا رسميًا أكثر تنظيمًا، وتتيح تحويل الجهود السياسية إلى برامج دعم مباشرة لإعادة الإعمار وتعزيز بقاء مؤسسات الدولة.
مجالات الأمن الغذائي والطاقة والاستثمار الزراعي تمثل فرصة استراتيجية للطرفين. السودان يشكل سلة غذاء محتملة للمنطقة العربية، وتوفر السعودية التمويل والخبرة والطلب الاستهلاكي. إنشاء آليات مشتركة لاستثمار الأراضي الزراعية وإدارة مياه الري وتطوير سلاسل التصدير قادرة على تحويل الزراعة إلى قطاع إنتاجي ضخم يخدم الأسواق الخليجية والعالمية ويعيد تشكيل بنية الاقتصاد السوداني.
▪️الجانب الأمني في عمل المجلس لا يقل أهمية عن الجانب الاقتصادي. استقرار البحر الأحمر، مكافحة التهريب، تأمين طرق التجارة، والتنسيق في ملفات الموانئ كلها عناصر أساسية للأمن القومي السعودي والسوداني معًا. التعاون في هذا المجال يساعد في مواجهة التحديات الإقليمية ويمنح السودان موقعًا استراتيجيًا مهمًا ضمن منظومة الأمن الإقليمي.
▪️تحقيق النجاح للمجلس يتطلب إرادة سياسية قوية، وقدرة تنفيذية واضحة، وآلية متابعة دقيقة تمنع تراكم الملفات أو ضياع الوقت. المطلوب أن يتحول المجلس من منصة اجتماعات رسمية إلى وحدة عمل حقيقية تمتلك صلاحيات، وتتابع المشاريع، وتضع جداول زمنية ملزمة، وتصدر تقارير دورية تقيس الأداء وتعيد تقييم الاستراتيجيات.
▪️الشراكة السودانية السعودية ليست علاقة عابرة أو محكومة بتبدل الحكومات، وإنما علاقة تاريخية تقوم على الروابط الاجتماعية والدينية والمصالح المتبادلة والموقع الجغرافي الذي يجعل البلدين في تماس مباشر مع أهم الملفات الحيوية في المنطقة. إعادة تشكيل المجلس تأتي لتمنح هذه العلاقة إطارًا جديدًا قادرًا على جعلها أكثر فاعلية وتأثيرًا واستدامة.
▪️المرحلة المقبلة يجب أن تشهد انتقالًا من مرحلة النوايا الإيجابية إلى مرحلة الإنجاز الحقيقي عبر إطلاق مشروعات ملموسة، واستثمارات مباشرة، وتطوير البنى التحتية، وإحياء الحركة الاقتصادية بين البلدين بأسلوب يحقق مصالح الشعبين ويعيد للسودان جزءًا من مكانته الإقليمية المفقودة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

*