جيل فلتة
بدون أي ادعاء للتواضع، أعتقد أننا جيل فلتة، نشأنا منذ الصغر مؤدبين، وأقوياء، وحتى عندما كانت أعوادنا طرية كنا نقطع المسافات ما بين بيوتنا والمدارس سيرا على الأقدام، وعندما التحقت بمدرسة البرقيق الوسطى كنت في نهاية أي عطلة أمشي من بيتنا، مثلا، الى “المُشرع” لأستقل مركبا الى كرمة النزل، ومنها مشيا على الأقدام عبر مقابر ثم بلدة وادي خليل ثم كرمة البلد الى المدرسة وعلى رأسي شنطة من الصفيح فيها تمر و”قرقوش” (لم تكن ملابسي عبئا لأنها عبارة عن جلابيتين وعراقيين وسروالين وعمة طولها متر واحد، وزوج الحذاء الوحيد على القدمين)
عبر جميع مراحل الدارسة لم يكن أهلنا يسألوننا عن الواجبات المدرسية ولا حتى عن نتائج الامتحانات، بل كان التحفيز عندنا ذاتيا، وكانت المناهج المدرسية كثيفة وتتطلب تركيزا عاليا، أذكر جيدا أنه وفي امتحانات التنافس على مقاعد المدرسة الوسطى (40 مقعدا في كل من البرقيق وأرقو)، يتنافس عليها نحو 300 تلميذ، جاء في مادة الانشاء بيت الشعر: إذا كنت ذا رأيٍّ فكُن ذا عزيمة/ فإن فساد الرأي أن تترددا. وكان المطلوب هو ان يناقش التلميذ في عمر 11 سنة فحوى ذلك البيت
*كنا تحت ضغط مستمر من اساتذتنا كي ننجح، ولم يكن هناك في دولة المليون ميل مربع شيء اسمه دروس خصوصية بل إن كل مدرسة كانت تنظم دروس العصر والمذاكرة كي تحقق نتائج أفضل من بقية المدارس، ولهذا كنا نتعرض ل”دق العيش” على التقصير الأكاديمي والخروج عن السلوك القويم، وبموازاة ذلك كان اساتذتنا يشرفون على الأنشطة الرياضية والثقافية في الأمسيات، وكانت جميع مدارس السودان تنظم مساء كل يوم اثنين “الجمعية الأدبية” لإبراز المواهب في الكتابة والمسرح، وكانت هناك الصحف الحائطية التي يحررها الطلاب وتصدر بانتظام
*ونحن صبية تعلمنا استخدام الإبرة والخيط لترقيع أي فتق في ثيابنا وتثبيت الزراير، وتعلمنا غسل الملابس واستخدام مكوة الفحم في تلك السن المبكرة
*طوال المرحلة الابتدائية كنت كغيري أدرس وأذاكر بلمبة “بِنية” وهي علبة يصنع لها “الحلب” فوهة يمر عبرها شريط مشبع بالجاز ومن ثم تنطفئ إذا عطست بالقرب منها، ثم نلنا ترقية بالحصول على اللمبة أم كف Fire hand في المرحلة المتوسطة للاستخدام في المذاكرة بعد إطفاء “الرتاين”
*كنا بسطاء في كل شيء، لو تم تكليف الواحد منا ب”ضرب الجرس” أو جلب الطباشير، كان يمتلئ سرورا وزهوا
*وكنا نحلف على كتاب الدين ويقول الواحد منا “وحياة كتاب الدين كذا وكذا”
*نشأنا في زمن كانت فيه العيون والبطون “مليانة” والرؤوس مرفوعة، وكنا نأكل ثلاث وجبات وما بينها “تصبيرات” بالتمر او البليلة
*العيش في بيئة الحوش الواسع عزز عندنا العلاقات الأسرية، وكنا نلعب خارج البيوت أولادا وبنات في مراحل الصبا خارج بيوتنا
*حتى الفنون الغنائية في أيامنا تلك كانت نظيفة ليس فيها حارسات مرمى ولا إخوة علي كبك
*انحرفنا بمقاييس أهلنا في الشمالية بعد الانتقال الى المرحلة الثانوية، وجارينا اهل العاصمة ال***** في لبس البنطلون والشورت (الردا)
*طوال المرحلتين الثانوية والجامعية كنت أسافر من الخرطوم الى كوستي بقطار مشترك الأبيض، وكنت على الدوام أصعد الى سطح عربات القطار بعد تجاوز محطة المسيد التي كنت زبونا فيها لسيدة تبيع اللقيمات مع الشاي المقنن وجنا الجداد المسلوق
تقول لي شنو وتقول لي منو؟ نحن الشينْ، ونحن الزينْ، ونحن العقبة والعتمور/ .. نحن الصّافي والوَافي، ونحن الشّافي الكافِي/ ونحن الزادْ/ ونحن العِينه والزّينة، ونحن – يمين – أهالينا/ أهلي سرورْ / ووكَتين ينزل المستورْ/ تَرَانَه النور
بعد دا عندك كلام معانا؟


